شروط الإنشاء
بسم الله الرحمن الرحیم
الحمدلله رب العالمین و صلی الله علی سیدنا محمد و آله الطیبین الطاهرین لاسیما بقیة الله فی الأرضین و لعنة الله علی اعدائهم أجمعین الی قیام یوم الدین
کان الکلام في الشروط المعتبرة في اللفظ الذي يُنشأ به المعاملة، سواء كانت عقداً أم إيقاعاً. وقد ذكرنا أن الشيخ الأعظم (رضوان الله تعالی علیه) طرح هذا البحث في ثلاثة محاور و هی المادة، و الهيئة و التركيب.
أمّا بالنسبة الی المحور الأول من البحث فأفاد بأنّ جماعة من العلماء ذهبوا إلى أن الإنشاء يجب أن يكون بلفظ صريح، وذهب آخرون إلى أن الإنشاء يجب أن يكون بالألفاظ الموضوعة لذلك المعنى، بحيث يكون استعمالها فیه استعمالاً حقيقياً.
و بيّن أن المراد من الصراحة ما يشمل الظهور أيضاً، وهو في مقابل الكناية، لا أنه بمعنى النص في مقابل الظهور. وعليه، فإن إنشاء المعاملات بالكناية غير صحيح. فإذا كانت حقيقة البيع هي التمليك، فإن إنشاؤه بلفظ مثل: «خذ المتاع» لا يكون صحيحاً. فلا بد أن يكون إنشاء المعاملة بلفظ يدل بالدلالة الاستعمالية على ذلك المضمون، ولا تكون الدلالة الكنائية معتبرة.
وفي تحقيق المسألة، ذكر أن المستفاد من مجموع الروايات وكلمات الفقهاء أن صحة المعاملة أو لزومها إنما تتحقق إذا كانت المعاملة كلها منشأة باللفظ، أي إذا كانت أداة إنشاء المعاملة هي اللفظ وحده. فلو أُنشئت المعاملة بغير اللفظ، سواء كانت كلها بغير لفظ، كما في المعاطاة، أو كان بعضها بغير لفظ، كما إذا استُعين بالقرائن الحالية، فإن المعاملة لا تكون صحيحة أو تکون غیر لازمة ـ بناء علی الخلاف الذی عرفته سابقاً ـ
ثم قال: إن ما ذهب إليه بعضهم من أن المعاملة يجب أن تُنشأ بألفاظ الحقیقة غير صحيح، فقد لا تصح المعاملة حتى مع ألفاظ الحقیقة، كما في إنشاء المعاملة بالألفاظ المشتركة؛ إذ قد تكون دلالة اللفظ على تعيين المعنى بسبب قرينة غير لفظية. ومن جهة أخرى، قد يصح إنشاء المعاملة بالألفاظ المجازية إذا كانت القرينة المعيِّنة للمعنى المجازي لفظية.
ولتأييد هذا المطلب، أشار إلى كلمات بعض العلماء(رضوان الله تعالی علیهم)، لكنه نقل في المقابل بعض العبارات أیضاً التي يُفهم منها أن الألفاظ المجازية أيضاً لا تكفي لإنشاء المعاملات، بحيث يشمل ذلك المجاز القريب أيضاً.
ثم ذكر أنّ بعضهم حاولوا دفع هذا التعارض بين الكلمات، فذكروا أنّ مراد من قال بعدم كفاية المجاز هو المجاز البعيد، وأنّ مراد من قال بكفاية اللفظ الصريح ولو كان مجازاً هو المجاز القريب،و استحسن الشیخ الأعظم(ره) هذا التوجيه حسن،و لکن أفاد بأنّ الأولی منه أن یقال إن المراد من عدم كفاية الألفاظ المجازية هو الاعتماد على غير اللفظ، والمراد من لزوم استعمال الألفاظ الحقيقية هو الدلالة اللفظية، أي أنّ المعاملة يجب أن تكون بأسرها منشأة بالدلالة اللفظية. فإذا أُنشئت المعاملة بلفظ، ولو كان مجازياً، وكانت قرينة المجاز لفظية، كفى ذلك؛ لأنّ تلك الدلالة أيضاً قائمة على الوضع بالمآل.
ومثاله قولك: «رأيت أسداً يرمي»، فإنّ دلالة «أسد» على الرجل الشجاع مجازية، ولكنّ دلالة «يرمي» على إرادة الرجل الشجاع من الأسد دلالة حقيقية؛ لأنّ معناها الحقيقي هو الرمي. ثم نقل بعض العبارات أيضاً لتأييد هذا التوجيه.
ثم أنّه قد ادُّعي في بعض الكلمات أنّ المعاملات من الأمور التوقيفية، ولذا لا تصحّ إلا بالألفاظ التي وردت في كلام الشارع، ونُسب هذا القول إلى فخر المحققين (رضوان الله تعالی علیه). وعلى هذا، فلا يصحّ إنشاء المعاملات بأيّ لفظ كان.
وقد علّق الشيخ الأعظم الأنصاري (رضوان الله تعالی علیه) على ذلك بأنّه كلام باطل جدّاً، ولا يمكن نسبته إلى الفقهاء أصلاً. نعم، لعلّ مراد فخر المحققين (رضوان الله تعالی علیه) ـ وهو معنى صحيح ـ أنّ المعاملات إنما تعتبر بعناوينها التي أمضاها الشارع، ولا يمكن إنشاؤها بعناوين أُخرى وإن اشتركت معها في الأثر أو شابهتها. فمثلاً: إذا أمضى الشارع البيع، فقد أمضاه بعنوان البيع، فينبغي أن تُنشأ المعاملة على هذا العنوان. وهذا لا يعني لزوم إنشائها بلفظ «بيع»، بل المراد أن تقع تحت عنوان البيع.
وكذلك إذا أمضى الشارع عنوان النكاح، فليس معناه أنّه لا بدّ أن يُنشأ بلفظ النكاح، بل يكفي إنشاؤه بلفظ آخر، كـ«متعت»، بل حتى بالإشارة. فالعنوان الذي شرعه الشارع يجب لحاظه وإنشاؤه، من غير فرق بين أن يكون بلفظ خاص أو بغير لفظ.
فالعنوان الذي شرعه الشارع هو النكاح، في مقابل السفاح، وهو حقيقة لها مقابلها من الزنا والسفاح وسائر العلاقات. فالمطلوب في النكاح إنشاء تلك الحقيقة، وأمّا اللفظ الذي يقع به الإنشاء فليس بمهمّ. فالشارع أمضى النكاح، لا المساكنة أو الصداقة ونحو ذلك. وكذلك في البيع، فإنّ له حقيقة في مقابل سائر العناوين، وقد أمضاها الشارع، فينبغي إنشاء تلك الحقيقة.

