الفاظ المطلق: اسم الجنس
ذكرنا كلام المحقّق الأصفهانيّ في اعتبارات الماهية؛ ومحصّله: أنّ ما تتقيّد به الماهيّة هو ذات المعنى والمفهوم، لكن لا بما هو ملحوظ ومعتبر (أي لا بقيد كونه ملحوظًا) ولا بقيد لحاظ واعتبار ذلك. ففي شرط الشّيء، لا تكون الماهيّة مأخوذة من حيث إنّها ملحوظة بهذا اللّحاظ ولا يكون لحاظ شرط الشّيء جزء معناها. بل تلحظ الماهيّة بلا أيّ شرط ويضمّ إليها الشّرط المفترض سواء كان على شرط شيء أو شرط لا أو لا بشرط أي بلا لحاظ أيّ قيد.
إذن، في مورد بشرط شيء لا يتوهّم كوننا أمام لحاظ الماهيّة المقيّدة بلحاظ شرط شيء، بل نحن أمام ذات المعنى وأضيف إليه لحاظ شرطيّة الشيء من دون أن يدخل ذاك اللّحاظ على الماهيّة لا كقيد ولا كجزء للمعنى. وهكذا الحال في اللّابشرط القسميّ حيث يكون ذات المعنى هو المأخوذ مع عدم اللّحاظ للقيد؛ وهذا النّحو من التّقرير للإطلاق هو المفروض عند مثل المحقّق النّائينيّ والسّيّد الصّدر مثلًا.
فرض المحقّق الأصفهانيّ في بعض كلماته الأخرى الماهيّة الملحوظة بقيد لحاظ عدم دخل القيد هي المطلقة، ولكنّنا نحكّم كلامه هنا على كلامه في مواضع أخرى لاتّصافه هنا بالصّراحة وهناك بالظّهور مع بقاء احتمال للخلاف؛ فلا لحاظ اللّابشرطية داخل في المفهوم ولا الماهيّة الملحوظة بقيد لحاظ عدم دخل القيد هي المطلقة.
ويمكن أن يقال في توجيه كلامه وكذا في توجيه كلام الشّيخ الآخوند أنّ ما كانا بصدده هو بيان أنّ الماهيّة اللّابشرط هي الّتي لو لوحظت لكان متعلّق اللّحاظ هو عدم دخل القيد، من دون أن يكون مقصودهما هو أنّ الماهيّة المطلقة هي الّتي يكون اللّحاظ جزء معناها فضلًا عن أنّه ليس تمام معناها؛ وإن كان هذا التّوجيه أكثر انسجامًا مع كلام المحقّق الأصفهانيّ منه مع كلام الشّيخ الآخوند، فلاحظ.
ثمّ ذكر أنّ هذه الاعتبارات مصحّحة لموضوعيّة الموضوع ولترتّب الحكم عليه، وليس اللّحاظ داخلًا في مثل الرقبة المقيّدة بالإيمان، فلحاظ القيد هنا يصحّح أخذها موضوعًا للحكم في مقام الجعل، إذ لا بدّ من لحاظ الموضوع ثمّ يترتّب الحكم عليه سواء كان اللّحاظ للاشتراط أو لعدم الاشتراط أو الاشتراط للعدم.
وهنا، كلام للسّيّد البروجرديّ على خلاف كلّ القوم وكأنّ الكلّ واضح خطؤهم عنده؛ ومفاد كلامه:
إنّ للّحاظ أقسامًا _في مقابل المحقّق الأصفهانيّ وغيره الّذين جعلوا الأقسام لذات الماهيّة ولذات المعنى_ فهو تارة بشرط شيء وأخرى بشرط لا وأخرى لا بشرط.
وهذه الاعتبارات ترتبط بمرحلة الحكم، بحيث لا معنى لهذه الاعتبارات إن غضضنا النّظر عن الحكم، فهي تأخذ معناها من حيث ترتّب الحكم لا غير. وتطبيقًا، يرى أنّه لا معنى للرّقبة بشرط الإيمان مثلًا إن لم يكن المتكلّم بصدد ترتيب الحكم عليها، وهكذا في مختلف الأقسام.
وهذا يختلف عن كلام مثل المحقّق الأصفهانيّ جذرًا، فما ذهب إليه هو أنّها تكون مصحّحة لترتّب الحكم لا أنّها تكون متقوّمة بالحكم على النّحو الّذي بيّنّا من أنّها تفقد معناها ما لم تكن في سياق الحكم عليها.
وقد علّق شيخنا الأستاذ بما مفاده:
إنّ هذا الكلام جاء في تقرير مباحث السّيّد البروجرديّ ولعلّ غرابته تستدعي التّشكيك في النّسبة إليه؛
ولكن: إن كان هذا الكلام صادرًا عن السّيّد البروجرديّ فهو من غرائب القول.
فما ذُكر من أنّ الموضوع يتقوّم بالحكم هو على عكس المتسالم قديمًا وحديثًا من أنّ الحكم يتقوّم بموضوعه، ومن أنّ رتبة الحكم متأخّرة عن رتبة الموضوع تصوّرًا. والحال أنّ اعتبارات الماهيّة الّتي ذكروها ليست إلّا تصوّرات الماهيّة الّتي تقع موضوعًا، وهي متقدّمة رتبة على الحكم.
وفي خلاصة ومحصّل بحث اسم الجنس:
ذهب الشّيخ الآخوند إلى كون أسماء الأجناس قد وُضعت للماهيّة المهملة المبهمة والّتي فسّرها بأنّها الماهيّة الّتي لوحظت ولم يلحظ معها أيّ شيء حتّى عدم لحاظ شيء معها، وهي الجامع بين المطلق والمقيّد، وليس الموضوع له هي الماهيّة المطلقة الّتي قيّدت بقيد الإرسال أو عدم التّقييد كما هو المشهور قبل سلطان العلماء.
وهذا ينتج أنّ الإطلاق ليس جزء المعنى الّذي وُضع له اسم الجنس، فاحتاج إثباته إلى قرينة من خارج دائرة المعنى الموضوع له اللّفظ، وهذه ليست إلّا قرينة الحكمة العامّة أو فرض قرينة خاصّة.
وقد رأى الشّيخ الآخوند أنّ الماهيّة المقيّدة بلحاظ الإرسال أو المقيّدة بلحاظ عدم دخل القيد معها قد قيّدت بقيد ذهنيّ محض لا يقبل الانطباق على الخارج، وتكون حينها من قبيل الكلّيّ العقليّ. مع الالتفات إلى أنّه ليس مراد الشّيخ الآخوند من الكلّيّ العقليّ الوقوف على موضوعيّة الكلّيّة بل مراده منه على خلاف الاصطلاح هو ما يكون أمرًا ذهنيًّا محضًا لا ينطبق على الخارج سواء كان كلّيًّا أم لا.
فلو أمر المولى بعتق الرّقبة وكانت موضوعة لمعناها بقيد الإرسال أو بقيد عدم دخل القيد، لما انطبقت على زيد من أفراد الرّقبة مثلًا، لعدم كونه مرسلًا ولا هو كلّ الأفراد؛ والصّحيح أنّ زيدًا فرد الرّقبة ومصداقها وتنطبق عليه الرّقبة بلا قيد الإرسال ولا عدم دخل القيد، فاسم الجنس الّذي نسلّم انطباقه على الخارج لا يمكن أن يكون معناه إلّا ما يمكن أن ينطبق على الخارج وهو الماهيّة بلا قيود ولا لحاظات إضافيّة دخيلة في المعنى الموضوع له اللّفظ.
ومن هنا تعلم أنّ المطلق هو واقع كلّ فرد من أفراد الطّبيعة لا عنوان كلّ فرد من أفراد الطّبيعة على نحو يكون الإرسال والسّريان هو العنوان المطلوب انطباقه في الخارج على كلّ فرد فرد من أفراد الطّبيعة، والحال أنّ جعل الإرسال قيدًا أو جزءًا من المعنى الموضوع له اللّفظ يستدعي هكذا نحو من التّطبيق وهو ممنوع.
نعم، انطباق اسم الجنس حال وضعه للماهيّة المقيّدة بلحاظ الإرسال أو بحاظ عدم القيد ممكن ولكن مع عناية وتجريد للمعنى عن ذلك القيد الذّهنيّ حال التّطبيق، وهذا النّحو من التّصرّف خلاف الوجدان العرفيّ الّذي يطبّق أسماء الأجناس على مصاديقها بلا أيّ عناية ولا تجريد.
وكيف كان، عمدة دليلهم الإثباتيّ على كون أسماء الأجناس موضوعة للماهيّة المهملة لا المطلقة هو الوجدان اللّغويّ، بحيث تُستعمل في الماهية المطلقة وكذا المقيّدة على السّواء على نحو الحقيقة بلا عناية ولا مجاز.
هذا، وقد فرضوا أنّ الأصل في المتكلّم أنّه في مقام البيان كما سيشير صاحب الكفاية، بحيث إذا لم يأت بأيّ قيد وكذا لم يأت بأيّ قرينة على أنّه ليس في مقام البيان، فالظّاهر أنّه في مقام البيان، فيستفاد كون الظّاهر من كلامه هو الإطلاق.
ومن هنا، علّق شيخنا الأستاذ بما محصّله: ليس الغرض من الوضع إلّا إخطار المعنى من دون الحاجة إلى قرينة، بحيث يكون اللّفظ الموضوع لمعنى معيّن موجبًا لخطور ذلك المعنى في الذّهن، ولو كان المتكلّم مريدًا لمعنى آخر لكان عليه نصب قرينة على ذلك.
فإذا أطلق اسم الجنس ولم يقم المتكلّم قرينة على إرادة المقيّد منه أو على إرادة الإهمال، فإنّ ما ينسبق إلى الذّهن هو الإطلاق، ما يعني أنّه على القاعدة والضّابطة الّتي على أساسها عيّنوا الوضع، يكون اسم الجنس موضوعًا للإطلاق.
وهذا يعني أنّ مختار القدماء ما قبل سلطان العلماء من كون اسم الجنس موضوعًا للإطلاق متلائم تمام الملاءمة مع الوجدان العرفيّ واستعمالاته.
نعم، يختلف الإطلاق عن العموم ولكن لا من حيث إنّ الثّاني يفيد الشّمول بالوضع فيما الأوّل بغيره، بل من حيث إنّ العموم يفيد الشّمول على نحو النّصوصيّة فيما يفيدها الإطلاق على نحو الظّهور، ولذلك يبقى مجال للإجمال في مورد المطلق ولا مجال له في مورد العموم. وكذا يختلفان من حيث إنّ الشّمول والجمع مدلول مطابقيّ للعامّ فيما هو مدلول التزاميّ للمطلق لأنّه وُضع للماهيّة السّارية المرسلة الّتي لازمها الشّمول لجميع الأفراد.

