الفاظ المطلق: اسم الجنس
كان البحث في أدوات الإطلاق من قبيل اسم الجنس.
وقد ذهب الشّيخ الآخوند إلى كون الإطلاق خارجًا عن معناها الوضعيّ اللّغويّ، وأنّه يستفاد من خلال أمر خارج عن المعنى الوضعيّ أي أنّه على خلاف العموم، وهذا الأمر الخارج هو إمّا قرينة خاصّة نصبها المتكلّم وإمّا قرينة عامّة هي مقدّمات الحكمة.
ومرّ الكلام حول اعتبارات الماهيّة والمفهوم، بحيث قلنا إنّ المفهوم المتصوّر إمّا أن يؤخذ بنحو الماهيّة المهملة وإمّا بنحو آخر:
أمّا المهملة فهي الّتي لم تقس إلى الخارج رأسًا بل قُصر النّظر فيها على الذّات والذّاتيّات؛
وأمّا النّحو الآخر أي ما لو قيست الماهيّة إلى الخارج عنها من جهة اتّصافها أو عدم اتّصافها بشيء بحيث لم يقصر النّظر فيها على ذاتها وذاتيّاتها، فهي على ثلاثة أقسام: الأوّل هو ما لوحظت بشرط شيء، والثّاني بشرط لا، والثّالث لا بشرط.
ولو أخذنا هذه الاعتبارات الأربعة جميعًا بعين الاعتبار، استخلصنا جامعًا لها هو ذات الماهيّة المحفوظة في الكلّ اللّابشرط عن كلّ الاعتبارات، يكون هذا الجامع مقسمًا للكلّ أي للماهيّة المهملة وكذا لأقسام الماهيّة المقيسة إلى الخارج، وهو المعبّر عنه باللّابشرط المقسميّ، مقابل اللّابشرط القسميّ الواقع قسيمًا للبشرط شيء وللبشرط لا.
ويرى شيخنا الأستاذ وضوح الاختلاف بين الماهيّة المهملة والماهيّة بنحو اللّابشرط المقسميّ فضلًا عن الماهيّة بنحو اللّابشرط القسميّ، ليكون ما قيل من قبل مثل السّيّد الصّدر عن اتّحاد الأخيرة مع المهملة غير صحيح البتّة، إلّا أن يوجّه باصطلاح خاصّ له.
إذ إنّ المهملة هي الّتي لم تقس إلى الخارج وقد قصر النّظر فيها على ذاتها وذاتيّاتها، فيما كلا القسمين المذكورين قد قيسا إلى الخارج واعتُبرا من حيث ذلك. فالماهيّة اللّابشرط القسميّ هي الّتي أُخذت مطلقة من جهة القيود الخارجيّة، فيما اللّابشرط المقسميّ هي الّتي أُخذت على نحو اللّابشرط من جهة الأقسام الثّلاثة.
هذا، ولم يؤخذ عنوان ولا لحاظ قصر النّظر شرطًا ولا جزءًا في الماهيّة المهملة بل أُخذ واقعه، وإلّا لاحتاج إلى لحاظ زائد على الماهيّة، والفرض أنّها مهملة عن كلّ لحاظ خارج عن الذّات.
إن قلت: إنّ الملحوظ في الماهيّة المهملة هو عين الملحوظ في اللّابشرط القسميّ وهو معنى اتّحادهما.
قلت: إنّ الماهيّة بنحو اللّابشرط القسميّ قد لوحظت الماهيّة مع رفض تقيّد الذّات بأيّ قيد من القيود الخارجيّة، فهي من جهةٍ مقيسةٌ إلى الخارج ومن جهة أخرى مطلقة طاردة لاعتبار القيد والخصوصيّة. أمّا الماهيّة المهملة فهي الّتي لم تقس رأسًا إلى الخارج حتّى يقال إنّها مطلقة.
إن قلت: فإن كانت الماهيّة الملحوظة بنحو اللّابشرط القسميّ بلا أيّ لحاظ إضافيّ، وكان الإطلاق مجرّد عدم اللّحاظ، فما هو محفوظ فيها هي ذات الماهيّة، فمن أيّ جهة طردت الخصوصيّات والقيود الخارجيّة الزّائدة؟
قلت: إنّ عدم اللّحاظ هو بمعنى عدم اعتبار القيد في اللّابشرط القسميّ، وليس هذا بمعنى الإهمال وعدم الالتفات وقصر النّظر على الذّات والذّاتيّات.
إن قلت: إنّه مع ذلك يبقى عدم الاعتبار هذا أمرًا عدميًّا، فكيف يكون مؤثّرًا طرد القيود والخصوصيّات ومميّزًا لها عن المهملة؟
قلت: إنّه أمر عدميّ لكنّه في فرض قياس الماهيّة إلى ما هو بالخارج. وهذا يعني أنّنا أمام خصوصيّة إضافيّة وهي لحاظها مقيسة إلى خارج ذاتها ولكن لا يُحتاج في إثباته إلى لحاظ عدم الاعتبار بل يكفي عدم اعتبار القيد.
ولذا، لا يمكن القول باتّحاد الماهيّة المهملة الواردة في كلمات القوم مع الماهيّة على نحو اللّابشرط القسميّ، بل القول بتقابلهما من أوضح الواضحات الّتي لا تحتاج إلى بيان.
وكيف كان، مرّ الكلام عن أنّ هذه الاعتبارات متصوّرة في الذّهن بقطع النّظر عن الحكم، أي إنّها لا تتقوّم بالحكم كما ذهب إليه السّيّد البروجرديّ من غريب القول، بل هي مصحّحة لموضوعيّة تلك الماهيّات للحكم كما بيّن المحقّق الأصفهانيّ.
ولعلّ الّذي غرّ البروجرديّ للقول بهذه المقالة هو ما قالوه من أنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي لا يحكم عليها إلا بذاتها وذاتيّاتها، في حين أنّنا نحمل على الماهيّات أمورًا وراء ذات الماهيّة وخارجة عنها وعن ذاتيّاتها_كالإنسان ماشٍ والصّلاة واجبة وما شاكل ممّا هو خارج عن الذّات_ ما يعني أنّها حُكم عليها من حيث إنّها مقيسة إلى خارجها، وهذا لا يتأتّى إلّا في مقام الحمل والحكم. فذهب إلى أنّ الماهيّة في مقام حملها ومن حيث الحكم عليها تُعالج كموضوع فتُلحظ اعتباراته من حيث إنّه وقع محكومًا عليه وفي مقام الحمل؛ لذلك قال إنّ قوام هذه الاعتبارات هو بالحكم المفروض لها وإلّا من حيث ذاتها ليست إلّا ذاتها ولا تتأتّى الاعتبارات المذكورة في الكلمات.
والحال أنّ مراد القائلين بأنّ الماهيّة من حيث هي ليست إلّا هي هو أنّها لا تستدعي حكمًا خارجًا عن الذّات والذّاتيّات، لا أنّه لا يصحّ أن يُحمل على الماهيّة شيء غير ذاتها وذاتيّاتها.
إذن، الصّحيح أنّنا نحمل على الماهيّة ما هو خارج عنها بلا أيّ كلفة، لكن لا من حيث هي، كقولنا "الإنسان قائم". ولنا أن نتصوّرها على اعتبارات مختلفة لا من حيث الحكم عليها بل من حيث هي غير قاصرين النّظر عليها؛ إذ ليس ملاك صحّة الحمل هو الاتّحاد الماهويّ فقط بل وكذا الاتّحاد بالحمل الشّائع.
وبعد أن تقرّرت اعتبارات الماهيّة يُطرح السّؤال من أنّ أسماء الأجناس وهي من أدوات الإطلاق، هل وُضعت للماهيّة بنحو اللّابشرط المقسميّ (أي مقسم الاعتبارات الأربعة بما فيها الماهيّة المهملة) كما هو المعروف بين المتأخّرين؟ أم أنّها وُضعت لخصوص الماهيّة بنحو اللّابشرط القسميّ وهي الماهيّة المطلقة ليكون الإطلاق جزء المعنى الوضعيّ لأسماء الأجناس كما هو المعروف قبل سلطان العلماء؟
على الأوّل، سنحتاج في إثبات الإطلاق إلى دالّ من خارج كمقدّمات الحكمة، منطلقين من عدم قيام قرينة على التّقييد، لكون معنى الإطلاق ليس داخلًا في معنى اسم الجنس، بل ما وُضع له الإطلاق هو ذات الماهيّة المحفوظة في كلّ الأقسام، ومنها قسم المطلقة.
وقد قلنا إنّ هذا هو المعروف بين المتأخّرين، ولذا فالصّحيح أن يُحمل تعبير البعض كالشّيخ الآخوند بالوضع للماهيّة المبهمة على معنى الجامع بين الكلّ ومن ضمنها المقيّدة والمطلقة. نعم، هذا الجامع ليس إلّا من قبيل الجامع العنوانيّ المشير وليس جامعًا حقيقيًّا لعدم إمكان تصوّر جامع حقيقيّ بين متناقضين. والكلام نفسه يجري حول تصوّر جامع بين اللّابشرط القسميّ والبشرط شيء والبشرط لا، بمعنى أنّنا لو تصوّرنا جامعًا بينها فهو من قبيل العنوانيّ المشير.
وعلى الثّاني، فإنّه كما مرّ يكون الإطلاق مدلولًا وضعيًّا لأسماء الأجناس.
فهل الصّحيح هو الأوّل أم الثّاني إثباتًا؟
يرى شيخنا الأستاذ أنّ خصوصيّة الإطلاق تستفاد من الوضع بلا حاجة إلى قرينة من خارج؛ وذلك لأمور منها:
الأوّل: أنّ ما ذهبوا إليه من القول بوضع أسماء الأجناس للجامع بين الكلّ أي الماهيّة بنحو اللّابشرط المقسميّ لا موجب له من جهة صحّة استعمالها في الكلّ، فنفس تقسيم الماهيّة إلى الاعتبارات المذكورة وأنّها إمّا أن تعتبر مهملة وإما بنحو اللّابشرط القسميّ وإمّا بشرط شيء وإمّا بشرط لا، وبالتّالي هي تستعمل في مختلف هذه الأقسام، لا ينفع دليلًا على المدّعى، لأنّ الاستعمال أعمّ الحقيقة.
الثّاني: كنّا ذكرنا أنّ الشّيخ الآخوند ذهب إلى أنّه لا يمكن الوضع للماهيّة المطلقة، وذلك لأنّ لحاظ الماهيّة بلحاظ عدم التّقييد ينجرّ إلى أخذ أمر ذهنيّ محض غير قابل للانطباق على الخارج فيها. هذا، والوجدان العرفيّ منبّه على أنّه لا تجريد ولا عناية في استعمال أسماء الأجناس في الماهيّة المطلقة وكذا في المقيّدة، وهو يدلّ على أنّ اللّحاظ الإطلاقيّ لم يؤخذ في المعنى.
وقد أجاب المحقّق الأصفهانيّ عن هذا الإشكال بما مفاده: أنّ اللّحاظات الذّهنيّة سواء في مورد اللّابشرط القسميّ أو في مورد غيرها من الأقسام ليست دخيلة في المعاني الملحوظة لا على نحو الجزئيّة ولا القيديّة ولا بأيّ نحو آخر، بل هي مجرّد طرق غير متصرّفة في المعاني الملحوظة والمطلوبة بها؛ وكما أنّ الماهيّة لا تتقيّد باللّحاظ الّذي من خلالها لوحظت كذا لا تتقيّد بعنوان أنّها ملحوظة. فالماء الملحوظ والمتصوّر يُلحظ بنفسه من حيث هو تلك الحقيقة الخارجيّة من دون أن يُلحظ لحاظ الماء ومن دون أن يُلحظ أنّه ملحوظ.
فقولنا إنّ الماهيّة ملحوظة بلحاظ عدم التّقييد لا يودي إلى القول بكون الماهيّة مقيّدة أو مشروطة بذلك اللّحاظ، بل الملحوظ لا بعنوان أنّه ملحوظ هو الواقع المتصوّر المستحضَر في الذّهن. ومن هنا بالغ المحقّق الأصفهانيّ في تعبيره حتّى قال ما مفاده إنّ ما تتقيّد به الماهيّة في مختلف اللّحاظات هو نفس ذاتها ومعناها لا بما هو ملحوظ ومن دون دخالة للّحاظ والاعتبار.
وهنا، وإن استقام ردّ المحقّق الأصفهانيّ ونفى إشكال الشّيخ الآخوند لكنّ غاية ما يثبته هو إمكان وضع أسماء الأجناس للماهيّة المطلقة، ويبقى أن ننظر إثباتًا ما هو الموضوع له تلك الأسماء.
فينتفي _وفاقًا لما ذكره السّيّد الصّدر_ تعيّن الوضع للإطلاق بمجرّد نفي الإشكال، بل إنّ المنفي بنفي الإشكال هو امتناع الوضع والثّابت بالرّدّ هو الإمكان لا الوقوع.
ولذا لا يقال: إنّه بعد انتفاء الجامع الحقيقيّ بين اعتبارات الماهيّة بحيث ينتفي المقسم، مع بداهة أنّ أسماء الأجناس لم توضع للماهيّة المقيّدة، يتعيّن وضعها للماهيّة المطلقة.
لأنّنا نقول: إنّه وإن انتفى الجامع الحقيقيّ، لكن في البين جامع عنوانيّ مشير يمكن وضع اللّفظ بإزائه، بل يمكن التّرقّي والقول إنّه بناءً على ما ذكره المحقّق الأصفهانيّ من عدم دخالة اللّحاظات في المعاني المتصوّرة، ومع لحاظ كون المقسم المطلوب مقسمًا بالنّظر إلى الأفراد الخارجيّة لا مقسمًا للّحاظات الذّهنيّة، يكون المقسم أي الماهيّة بنحو اللّابشرط المقسميّ حقيقيًّا ويكون من قبيل المعقولات الأوّليّة المستقاة من الخارج.
إن قلت: ما دام أنّنا افترضنا المقسم هنا أمرًا انتزاعيًّا وعنوانًا مشيرًا فهو لا يعدو كونها اعتبارًا ذهنيًّا ويصير من قبيل المعقولات الثّانويّة، فيكون وضع أسماء الأجناس بإزائه وضعًا لاعتبار ذهنيّ لا انطباق له في الخارج.
قلت: يتمشّى هذا الكلام لو كان المقسم مقسمًا للّحاظات الذّهنيّة أو لو كانت دخيلة في المعاني المتصوّرة، أمّا على ما بيّنّاه من كلام المحقّق الأصفهانيّ، فإنّ الملحوظ في مختلف الأقسام ومنها اللّابشرط المقسميّ هو ذات الماهيّة من دون تقييد بكونها ملحوظة ولا تقييد باللّحاظ الموصل إلى تصوّرها؛ فيرجع المقسم إلى معقول أوّليّ لا ثانويّ.
إن قلت: سلّمنا بجواب المحقّق الأصفهانيّ، لكن يبقى أنّه كيف يمكن تصوير وضع أسماء الأجناس للماهيّة المطلقة على فرض كون الإطلاق هو عدم اللّحاظ؟
قلت: فرض كون الإطلاق عدميًّا هو بمعنى عدم اعتبار القيد في الماهيّة ولكن هذا مع فرض كون الماهيّة قد قيست إلى الخارج، فلسنا في مقام مطلق عدم الاعتبار المتحقّق في الماهيّة المهملة. وليس مردّ هذا إلى لحاظ عدم التّقيّد ليقال إنّه من قبيل لحاظ شيء مع الماهيّة، بل هو لحاظ للماهيّة مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها مع عدم اعتبار شيء معها في ظرف القياس. ولا مناص عن تحليل القضيّة على هذا النّحو لمسلميّة اختلاف الماهيّة المهملة عن الماهيّة من باب اللّابشرط القسميّ من جذر أنّ الأولى بلا قياس إلى الخارج فيما الثّانية مع القيياس إلى الخارج. واللّابشرطيّة في القسميّ هي من باب عدم الاعتبار لا من باب عدم اللّحاظ وعدم القياس والالتفات وإلّا صارت مهملة.
إذن، لا تعيّن لوضعها لغير الماهيّة المطلقة ولا تعيّن لوضعها للماهيّة المطلقة بل كلاهما ممكن، وتعيّن الوضع لأيّ منهما يرجع إلى بحث إثباتيّ استظهاريّ بحت بعد ثبوت الإمكان لكليهما؛ فالحاكم في المقام هو الوجدان العرفيّ الاستظهاريّ.
ذهب شيخنا الأستاذ خلافًا لمشهور المتأخّرين ووفاقًا لإجماع من سبق سلطان العلماء إلى كون أسماء الأجناس قد وُضعت للماهيّة المطلقة لا للجامع؛ بيانه:
إنّه قد سبق منّا القول بأنّ الجميع مسلّم بأنّنا نحتاج إلى الوضع لاستعمال الألفاظ في المعاني وإخطارها من دون حاجة إلى قرينة زائدة على نفس اللّفظ.
ثمّ إنّهم قد تبانوا على أنّه لا يُحتاج في إثبات الإطلاق إلى إثبات كون المتكلّم في مقام البيان، بل يكفي عدم إحراز أنّه ليس في مقام اللّابيان، فقالوا بأنّ الأصل في المتكلّمين عند العقلاء كونهم في مقام البيان مع عدم قيام قرينة على العدم.
إذن، ما لم يقل المتكلّم إنّه ليس في مقام البيان وحتّى لو لم يقل إنّه في مقام البيان، الأصل كونه في مقام البيان. ولذا، ينعقد الظّهور مبتنيًا على ذلك حتّى لو لم يكن مرادًا جدّيًّا له، بحيث إذا خصّص لاحقًا على نحو منفصل لم يكن تخصيصه بقادح في الظّهور المنعقد في مقام سابق من حيث انعقاده. وهذا الكلام جارٍ في المطلق كما يجري في العموم بلا فرق من هذه الجهة.
فلو استعمل المتكلّم لفظ الرّقبة ولم يشر إلى إرادته خصوص المؤمنة منها، كما أنّه لم يقل إنّه في مقام الإجمال أو الإهمال، استظهر المتحاورون كونه في مقام البيان وترتّب إخطاره للإطلاق عندهم في الذّهن؛ وإلّا لو لم يرد الإطلاق لكان عليه أن يأتي بقرينة ودالّ على ذلك.
وفي الحقيقة، إنّ ما شيّدوه هنا من مثبت للإطلاق لا يزيد على ما يشيّدونه لإثبات الوضع في مواضع أخرى.
ثمّ إنّنا فسّرنا مقام البيان على معنى عدم الإجمال كما لا يخفى عليك متابعة لهم، كما لو كان المولى بصدد بيان أصل وجوب الصّلاة مثلًا ولا يهتمّ في هذا المقام ببيان حقيقتها ولا أجزاءها ولا شرائطها وما شاكل؛ والحال أنّه بهذا المعنى يجري في كلّ كلام حتّى في العموم.
والصّحيح أنّ مقام البيان هو بمعنى البيان التّفصيليّ لتمام المراد جدًّا مقابل بيان المراد في الجملة؛ كما لو قال المولى "أحلّ الله البيع" وكان هذا البيان بيانه التّفصيليّ بمعنى أنّه أحلّ كلّ بيع سواء كان لفظيًّا أو كان معاطاتيًّا وسواء كان غرريًّا أو لا وهكذا.
واعتمادًا على ما تقدّم تجد في كلماتهم أنّ الظهور يقتضي وينتج الإطلاق من خلال عدم التّقييد والكون في مقام البيان بمعنى عدم الإجمال.
ومن هنا، لم يرتضِ صاحب الكفاية استفادة الإطلاق بهذا المستوى من السّهولة والسّعة، فضيّق بزيادة قيد هو أن لا يكون هناك قدر متيقّن في مقام التّخاطب وإلّا معه لم ينعقد الإطلاق لعدم تماميّة مقدّمات الحكمة. في حين أنّه ذهب آخرون _كالسّيّد الرّوحانيّ_ إلى أنّ مقدّمات الحكمة ليست منشأ للظّهور أصلًا، وقالوا باستفادة الإطلاق من القرائن السّياقيّة.
وكيف كان:
في المقام خطور للمعنى في الذّهن، وخطوره يحتاج إلى منشأ:
فإن كان هو اللّفظ مجرّدًا عن القرينة، فهذا هو معنى كون اللّفظ موضوعًا لهذا المعنى؛
وإن كان من غير اللّفظ وخارجًا عن المعنى الوضعيّ للّفظ، ينجرّ البحث إلى مقدّمات الحكمة، وأحد أركانها الّذي لا يمكن تخطّيه هو ما ذكره المحقّق الآخوند من أن لا يكون في البين قدر متيقّن في مقام التّخاطب، إذ من لم يعتبر هذا القيد قد عطّل استفادة الإطلاق من رأس، لأنّه كما يحتاج التّقييد إلى قرينة كذا يحتاج الإطلاق، وما ذكروه في مقدّمات الحكمة من عدم كونه في مقام الإجمال وهي مقدّمة يقبلها الجميع هي غير منتجة للدّلالة على الإطلاق ولا تكفي قرينة عليه.
فمعنى أنّه ليس في مقام الإجمال هو أنّه يمكن استفادة شيء ما من اسم الجنس، ولكن ما هو هذا المستفاد؟
يمكن أن يكون القدر المتيقّن في مقام التّخاطب المشتمل على القيد، بل لا مبرّر لقولهم بالإطلاق مع وجود هذا القدر المتيقّن.
وهذا يعني أنّهم إذا أرادوا القول باستفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة بغضّ النّظر عن القيد الإضافيّ الّذي ذكره الشّيخ الآخوند (وإن كان قد تابعهم على مستوى العمل وطبّق مقدّماتهم بلا مقدّمته الإضافيّة لأنّ تطبيقها سيودي إلى انتفاء الإطلاق بنحو أكثريّ غالبيّ بل دائميّ)، لقلنا بأنّ هذا غير منتج، ومقدّماتهم لا توجب الحمل على الإطلاق بل يُحمل على القدر المتيقّن.
ولا ينفع في التّبرير قولهم بأنّه مع تماميّة مقدّمات الحكمة ينتفي الإجمال، فلا بدّ من الحمل على الإطلاق؛ لأنّنا نقول كما ذكرنا لا بدّ من حمله حينها على المقيّد لوجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب.
قوله "أعتق رقبة" فيه قدر متيقّن في مقام التّخاطب وهو الرّقبة المؤمنة، فلو دار الأمر بين عتق مطلق الرّقبة وبين خصوص الرّقبة المؤمنة، لكانت المؤمنة هي الأولى والمقدّمة لكونها قدرًا متيقّنًا.
ما يعني أنّ الحمل في موارد تماميّة مقدّمات الحكمة على القدر المتيقّن وهو الحصّة المعيّنة والماهيّة المقيّدة، لا محذور فيه، بحيث ينتفي في مقامه الإجمال والإهمال.
نعم يورد على المولى أنّه لم يعيّن حدّ مراده ومقصوده، فلو كان مقصوده هو المقيّدة فقد فهمناه، لكن لا بعنوان الحدّ المعيّن بحيث يكون هو المطلوب ولا غير.
لكنّ بيان الحدّ ليس جزءًا من مقدّمات الحكمة، ولا يلزم على المولى بيانه أصلًا، ولو قيل بها لكانت مقدّمة رابعة، مع أنّه لم يذهب إلى اعتبارها أحد.
وبناءً على هذا التّشييد، مع ما فيه من الإشكال على مبناهم من استفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة المودي إلى تعطيل استظهار الإطلاق سواء على مقدّمات المشهور أو بإضافة مقدّمة صاحب الكفاية، ومع كون الكلّ مسلّمًا باستفادة الإطلاق من أسماء الأجناس، فلا مناص عن المصير إلى القول بكون الإطلاق يستفاد من اللّفظ من حيث نفسه من حيث إنّه قد وُضع للماهيّة المطلقة؛ إذ إنكار الوضع منجرّ إلى إنكار الإطلاق بالمرّة.

