الفاظ المطلق: اسم الجنس
آخر ما كان الكلام فيه في بحث الإطلاق هو مسألة منشأ استفادة الإطلاق؛ فهل هو الوضع أم مقدّمات الحكمة؟
وقد أشرنا آخرًا أنّه لا ثمرة لهذا البحث، ومقصودنا أنّه لا ثمرة عمليّة له بعد تحقّق الإطلاق من حيث إنّه سيترتّب أثره الواحد سواء كان ناشئًا عن الوضع أو عن مقدّمات الحكمة. نعم، ليس قولنا هذا استصغارًا للثّمرة العلميّة الّتي تتحصّل من نكات وتدقيقات هذا البحث، كما لا يخفى.
وقد ذكرنا أنّ الثّمرة المذكورة في المقام الرّاجعة إلى تقديم العموم على الإطلاق من باب أقوائيّة الدّلالة الوضعيّة بالنّسبة إلى الإطلاقيّة، غير تامّة.
أمّا مع عدم تماميّة منشئيّة الوضع ولا مقدّمات الحكمة لاستفادة الإطلاق، فلا إطلاق (بناءً على انحصار الطّرق بهما)، وحينها ستكون الثّمرة انتفاء الإطلاق في الكلام، وسيكون ما يعدّه الآخر مطلقًا من مصاديق المجمل.
ولا يقال: على هذا يلزم حدوث فقه جديد، لأنّه يقال إنّه نعم مع انتفائه ستتغيّر موازين الاستنباط لكن لن يحدث فقه جديد، والحال أنّه لا يوجد مثبت للإطلاق إلّا ما كان من قبيل المنشأين المذكورين، فإن انتفيا فلا دليل آخر يوجب التّمسّك بالإطلاق. وعلى هذا الفرض سوف لن يُتمسّك بالإطلاق إلّا إذا أُحرز الإطلاق المقاميّ.
نعم، يمكن القول إنّه على كلّ حال هناك ظهور في الإطلاق عند أهل اللّغة أيًّا يكن منشؤه، سنقول حينها لا مجال لعدم التّمسّك بالإطلاق، وسوف لن يكون البحث عن منشأ الظّهور فيه إلّا بحثًا علميًّا مع وحدة النّتيجة عملًا. لكنّ المصير إلى القول بالظّهور في الإطلاق مع عدم تشخّص منشئه بعيد مستبعد.
وعلى كلّ حال، ما يمكن أن يعدّ منشأ لظهور الإطلاق بحسب الاستقصاء هو: إمّا الوضع، إمّا الإطلاق المقاميّ وإمّا القرينة الخاصّة وإمّا مقدّمات الحكمة.
فإن ثبت بالبرهان عدم تماميّة مقدّمات الحكمة، وانتفت القرينة الخاصّة، ولم يثبت الإطلاق المقاميّ لعدم إحراز الكون في مقام البيان ولكونه خلاف الأصل، وكذا لم يثبت الوضع؛ فمن أين تأتّى الظّهور؟ وكيف يمكن التّسليم به؟ وكيف يمكن القول بالتّمسّك بالإطلاق؟
ثمّ، واستكمالًا لما كنّا أشرنا إليه من كلام السّيّد الرّوحانيّ نقول إنّ مفاد كلامه هو: أنّه ليس الإطلاق مقتضى مقدّمات الحكمة، بل هو مقتضى الوضع.
لكنّ الوضع على نحوين: وضع سياقيّ وآخر غير سياقيّ؛ وهو يرى هنا أنّ الإطلاق هو مقتضى الوضع السّياقيّ أي إنّ اللّفظ عند التّجرّد عن القرينة، يستظهر من عدم أخذ القيد إرادة الطّبيعة المطلقة المرسلة، لأنّ من يريد المقيّد عليه أن يأتي بالقيد وما لم يأت به فالقيد ليس دخيلًا في غرض المتكلّم.
المهمّ هنا، أنّ السّيّد الرّوحانيّ لم يتوصّل إلى الإطلاق من خلال مقدّمات الحكمة، وهو قد ذهب إلى أنّ استفادة معنى اللّابشرطيّة من اسم الجنس مثلًا غير المقرون بقرينة تحصل من خلال الدّلالة السّياقيّة. وهو المهمّ عندنا لأنّه يؤيّد إشكالنا على المتأخّرين من حيث استفادة الإطلاق من مقدّمات الحكمة.
وكلامه وجيه؛ ولكنّنا لن ندخل في مناقشته تفصيلًا لكون الثّمرة المنتظرة علميّة لا غير. نعم، يمكن أن يُشكل عليه من حيث تفسيره لمعنى الكون في مقام البيان بعدم إحراز أنّه في مقام جهة أخرى، بأنّ هذا محتاج إليه في مختلف أنحاء الكلام سواء كان وضعيًّا أو لا.
ومن العلماء الّذين لم يتمّموا دلالة مقدّمات الحكمة على الإطلاق، المحقّق الحائريّ، بل قال بكون الإطلاق قهريًّا، وهو مع ذلك لا يستفاد من الوضع.
فقد ذهب إلى أنّ أسماء الأجناس موضوعة للجامع بين الماهيّة المطلقة والمقيّدة، وبالتّالي كما أنّ التّقييد يحتاج إلى قرينة معيّنة فكذلك الإطلاق.
ثمّ جعل منشأ الدّلالة على الإطلاق مقدّمات الحكمة من الكون في مقام البيان وعدم ذكر القيد وعدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب؛ لكنّه ما لبث أن استغنى عن الأخيرة فقال بعدم لزومها لاستفادة الإطلاق، وكذا استغنى عن كون المتكلّم في مقام البيان.
إذن، كيف يستفاد الإطلاق من مقدّمة واحدة هي عدم ذكر القيد مع عدم لزوم كون المتكلّم مقام البيان؟
يرى الشّيخ الحائريّ أنّ الإطلاق قهريّ كما يعبّر، بمعنى أنّ المتكلّم إذا استعمل اسم الجنس ولم يذكر قيدًا له، فإنّ ظاهر استعماله هذا أنّه لا دخالة لشيء غير ذات الماهيّة في حكمه وإلّا لكان عليه أن يذكر ما هو دخيل في الحكم غيرها لو كان. بل إنّه لو أراد المقيّد وجعله موضوع حكمه لما كانت الطّبيعة مرادًا له، بداهة أنّ المقيّد شيء آخر غير الطّبيعة.
إذن، ظاهر تعليقه الحكم على الطّبيعة بلا قيد كونها تمام الموضوع؛ ولك أن تقول إنّ موضوع حكمه هي الطّبيعة على نحو الاستقلال، في مقابل ما لو جعل المقيّد موضوعًا لحكمه حيث ستكون الطّبيعة موضوعًا بالتّبع وضمن المقيّد لا بالاستقلال.
ولعلّه يرجع تصويره لاستفادة الإطلاق إلى ما كنّا ذكرناه من كلام السّيّد الرّوحانيّ.
ثمّ يطرح إشكالين ويردّهما:
الأوّل: إن قلت: إنّ الإهمال في مقام الثّبوت غير معقول، فلا يصحّ أن يتعلّق طلب المولى وهو في مقام الطّلب بالماهيّة المهملة، بل لا بدّ من أن يكون متعلّقه إمّا المطلق وإمّا المقيّد. وعليه، عدنا إلى ضرورة وجود قرينة على إرادة الإطلاق أو على إرادة التّقييد، ولا يكفي القول إنّه ما لم تثبت إرادته للمقيّد فهو يريد المطلق مستغنين عن القرينة عليه.
قلت: إنّ في البين فرقًا بين إرادة المقيّد وإرادة المطلق، إذ يكفي في تعيين إرادة المطلق عدم التّقييد من دون حاجة إلى إرادة عدم التّقييد. فإرادة الإطلاق حال عدم التّقييد قهريّة التّرتّب، وذلك لأنّ الإطلاق أمر عدميّ لا وجوديّ. وعليه، الدّلالة الإطلاقيّة في مورد عدم القيد ليست وضعيّة لكنّها قهريّة.
الثّاني: إن قلت: كيف السّبيل إلى التّوصّل إلى هذه الدّلالة القهريّة، والحال أنّه يمكن أن يراد القيد مقدّرًا لا مصرّحًا به أو أن يراد من المطلق خصوص المقيّد؛ ويكون الأوّل من قبيل تعدّد الدّال والمدلول مع كون أحد الدّوالّ مقدّرًا، فيما يكون الثّاني من باب الاستعمال المجازيّ. ومع وجود هذين الاحتمالين تنتفي الدّلالة القهريّة على الإطلاق عند انتفاء القيد.
قلت: إنّ هذين الاحتمالين منفيّان بالظّهور حتّى لو لم يُحرز كون المتكلّم في مقام البيان.
وعلّق شيخنا الأستاذ على هذه المقالة بأنّه بعد كونه من الاعتماد على خصوص عدم ذكر القيد، هل تكون استفادة القيد إلّا استفادة له من الوضع؟ وهل يكون هذا التّقرير للقول بالإطلاق إلّا قبولًا بوضع اللّفظ للمطلق وخطوره من جهة اللّفظ خاصّة بلا قرينة إضافيّة؟ وإلّا كيف يمكن نفي احتمال القيد المقدّر أو المراد بلفظ المطلق على نحو المجاز مع عدم الحاجة إلى إحراز كون المتكلّم في مقام البيان؟
هذا، ولا يتمّ إنكاره لمقدّميّة عدم وجود قدر متيقّن في مقام التّخاطب مجاراة لمن لم يعتبر هذه المقدّمة، إذ هي بمثابة من الضّرورة عند من تمسّك بمقدّمات الحكمة لإثبات الإطلاق بحيث لا يتمشّى الإطلاق من دونها؛ نعم إلّا إذا صار إلى وضع الألفاظ للإطلاق، ولعلّه هو المرتكز عنده وكذا عند من أنكرها.

