الفاظ المطلق: المفرد المعرف
ذكر الشّيخ الآخوند أنّ للمفرد المعرّف معاني متعدّدة من جنس وعهد واستغراق، على ما ذكر علماء العربيّة. وهي معانٍ متباينة لا جامع بينها، وبالتّالي تشترك اللّام في مواردها بنحو الاشتراك اللّفظيّ. نعم، لا بدّ من القول بالاشتراك المعنويّ للام العهد بأنحائه المختلفة.
وقد قالوا بكون اللّام موضوعة للتّعريف، ومن هنا فهي تفيد التّعيّن (في غير العهد الذّهنيّ)، بحيث لا يكون مجموع المفرد المحلّى باللّام هو المنشأ للتّعيّن. إذ لا يدلّ المفرد بنفسه إلّا على ذات المعنى الجنسيّ الخاصّ وتدلّ اللّام على تعيّنه من حيث دلالتها على تعريفه. (وأمّا في مورد العهد الذّهنيّ فمن الواضح عدم الانطباق على الخارج، لكنّه فيما لا يُنتظر في مورده الانطباق).
ولكن، هذا القول مبتلى بإشكال الذّهنيّة بنظر الشّيخ الآخوند، فلا يصحّ أن ينطبق على الأفراد الخارجيّة إلّا بعناية التّجريد؛ ففي قوله "أوفوا بالعقود" يتركّب المعنى من معنى جنس العقد ومن تعيّن العقد الذّهنيّ وهو أمر لحاظيّ ذهنيّ غير قابل للانطباق على الخارج، ما يجعل "العقود" المأخوذة في الخطاب وجودًا مغايرًا للعقود الخارجيّة وغير منطبقة عليها.
وأمّا بالعناية، فمع أنّه يتأتّى الانطباق إلّا أنّ الاستعمال على هذا النّحو مخالف للوجدان اللّغويّ كما مرّ آنفًا في غير واحد من أدوات الإطلاق.
من هنا، يرى الشّيخ الآخوند أنّ اللّام ما لم تدلّ على التّعيّن، فهي لا تفيد شيئًا على مستوى المعنى، بل ينحصر أثرها في التّزيين للكلام، لذا فهي موضوعة للتّزيين لا غير.
في المقابل، ذهب المحقّق الأصفهانيّ إلى أنّ دلالة اللّام على التّعيّن ليس بمعنى أن يصير مدلولها _أي التّعيّن_ جزءًا من المعنى الموضوع له المفرد ولا شرطًا، بل وظيفتها تصحيح الاستعمال أو الحكم لا أكثر، وذلك لأنّ التّعيّن من قبيل المعقولات الثّانويّة دون المعقولات الأوّليّة ولا تحقّق له في الخارج.
بل الصّحيح عنده كون دلالتها على التّعيّن مفروضة مع كون معنى المفرد بعد دخول اللّام عليه هو ذات المعنى بلا إضافة أي من دون جزئيّة ولا قيديّة للتّعيّن. إذ مع تسليمنا بانطباق المفرد المحلّى باللّام على الخارجيّات، لا يمكن أن يكون معنى التّعيّن المعقول الثّانويّ داخلًا في معنى المفرد، وإلّا للزم خلف كونه منطبقًا على الخارج.
هذا، والمعنى بذاته لا ينفكّ عن التّصوّر واللّحاظ بل إنّما يتأتّى الحكم عليه في فرض تصوّره ولحاظه، بمعنى أنّ التّصوّر واللّحاظ شرط الحكم عليه؛ والحال نفسه من جهة الاستعمال، فلا تُستعمل الألفاظ إلّا في فرض تصوّر ولحاظ معانيها، فهو شرط إمكان الاستعمال أيضًا. وينبّه عليه عدم صلوح صدور الاستعمال من النّائم غير القاصد ولا الملتفت أي غير المتصوّر عن قصد للمعاني المستحضرة بواسطة الألفاظ.
وبالخلاصة: مع كون معنى التّعيّن المستفاد من اللّام غير داخل في معنى الطّبيعة لا على نحو الجزئيّة ولا القيديّة، وبالتّالي عدم كونها مفيدة للزّينة فقط، إلّا أنّها تفيد معنى التّعيّن الجنسيّ لمدخولها.
فيتفصّى المحقّق الأصفهانيّ من إشكال الشّيخ الآخوند من جهة ذهنيّتها لو دخلت على معنى مدخولها وكذا من المصير إلى القول بعدم كونها ذات مدلول ووضعها لمجرّد الزّينة بالتّحفّظ على معنى التّعيّن المستفاد من اللّام مع عدم دخوله على الماهيّة على الإطلاق بحيث يبقى معنى الماهيّة على حاله؛ وردّه هنا ليس إلّا عين الرّد الّذي أورده في مورد علم الجنس، فلاحظ.
وقد علّق شيخنا الأستاذ بأنّ غاية ما يقال إنّ إشكال الشّيخ الآخوند يثبت حال كون اللّحاظ جزء المعنى، لكن لا إشكال ثبوتًا في أخذ اللّحاظ كشرط وقيد للمعنى، وعليه فحتّى لو كان اللّحاظ قيدًا للمعنى فهو مع ذلك قابل للانطباق على الخارج، لأنّ ما يؤثّره القيد هو كون المعنى حصّة متقيّدة بالتّعيّن، ويمكن انطباقها في الخارج حتّى لو كان ذاك التّعيّن بمعنى الإطلاق وعدم اعتبار القيد.
التّعيّن المفروض في المقام هو التّعيّن الإطلاقيّ في مقابل التّعيّن التّقييديّ، وكما أنّ التّقيّد لا يمنع الطّبيعة عن الانطباق في الخارج بل يحدّ ويضيّق انطباقها، فكذا الحال في التّقيّد بالإطلاق، فإنّه لا يوجب امتناع الانطباق ولا ذهنيّة المعنى بل يوسّع دائرة الانطباق.
وتطبيقًا على المفرد المعرّف باللّام، ذهب شيخنا الأستاذ إلى أنّه لا إشكال ثبوتًا في أنّ تكون اللّام دالّة على التّعيّن سواء كان جنسيًّا أو استغراقيًّا أو عهديًّا، وأنّ ما أفاده الشّيخ الآخوند من برهان الاستحالة غير تامّ، بل على ما ذكرنا لا إشكال في أن يكون لحاظ التّعيّن قد أُخذ على نحو الشّرطيّة، بل لا إشكال في أن يكون مأخوذًا كجزء المعنى ولا يمنع عن انطباقه على الخارج، وفق البيان المتقدّم.
هذا كلّه في مقام الثّبوت، أمّا إثباتًا: فإنّ اللّحاظ والتّصوّر لا يؤخذ قيدًا في أكثر الألفاظ والكلمات، لكن في أدوات الإطلاق قد لوحظ السّريان والشّيوع (على معناه العدميّ أي عدم لحاظ القيد) من دون أن يكون هذا اللّحاظ مانعًا عن الانطباق.
وهنا نسأل: هل تدلّ اللّام على التّعيّن؟
ذهب السّيّد الصّدر إلى أنّ معنى المفرد المعرّف باللّام هو عين معنى علم الجنس بلا تفاوت بينهما؛ وتوضيحه:
منشأ معرفيّة علم الجنس وكذا المفرد المعرّف هو التّعيّن الجنسيّ الّذي يعني كون اللّفظ موضوعًا للتّطبيق على مستأنس سابق ولاستحضار الانطباعات السّابقة عن الطّبيعة الخاصّة. فإذا قيل "أوفوا بالعهود" كان مفاده أوفوا بتلك العهود الّتي كنتم تفهمونها سابقًا من إطلاق لفظ العهد من دون تخصيص بعهد معيّن. فيكون معنى اللّام راجعًا إلى معنى "ذاك" وكأنّه من قبيل الإشارة، بحيث لا يبقى فرق بين معنى الأسد وبين أسامة وإن كان معناهما متفاوتًا عن معنى "أسد" أي اسم الجنس حيث يخلو عن التّعيّن.
كنّا ذكرنا أنّ ملاك التّعريف هو حكاية التّعيّن من خلال اللّفظ سواء كان الشّخص المعرّف باللّفظ معلومًا عند السّامع أم لا. وهذا يعني أنّ التّعريف يتأتّى حيث يكون التّعيّن مقصودًا إفهامه من قبل المتكلّم. فحتّى لو دلّ اسم الجنس على ماهيّة متعيّنة في الواقع، لكنّ حيث التّعيّن ليس مقصودًا إفهامه من قبل المتكلّم لم يكن معرفة، وهذا على خلاف الحال في علم الجنس وفي المفرد المعرّف باللّام؛ وهذا هو معنى التّعيّن الجنسيّ عند شيخنا الأستاذ آبيًا عن التّسليم بمقالة السّيّد الصّدر من كونه راجعًا إلى تعيّن الانطباعات والاستئناسات الذّهنيّة المحتفّة بالطّبيعة في رتبة سابقة.
ومن جهة أخرى، إنّ اللّام تفيد التّعريف سواء دلّت على ما ذُكر من معنى التّعيّن الجنسيّ أو دلّت على غيره من أنحاء التّعيّن كالاستغراق أو العهد، وما ذكره من تعيّن جنسيّ لا يشمل التّعيّن الاستغراقيّ مع أنّه يستفاد من اللّام هذا النّحو من التّعيّن أيضًا.
بل نقول: لا ينسبق إلى الذّهن هذا المعنى من التّعيّن الجنسيّ أبدًا، فهل قولنا "أكل الرّمان جائز" هو بمعنى أنّ أكل الرّمان المعهود عندكم والّذي تعرفونه جائز؟ لا البتّة.
وكيف كان، معنى التّعيّن الجنسيّ إمّا أن يُحمل على ما ذكرنا وهو ما بيّنّاه في علم الجنس من التّمايز عن سائر الأجناس، وإمّا أن يحمل على ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ من كونه واقع التّميّز والتّعيّن المصحّح للاستعمال والحكم.
وبالعودة إلى المحقّق الآخوند، فقد رأى أنّ جميع ما يقال في معنى اللّام يستفاد من القرائن الخارجة عن نفس اللّام، بحيث لا تدلّ على أيّ تعيّن إلّا بالقرينة على نحو التّعيّن، ولولاها لا يُفهم التّعيّن رأسًا. فإذا كانت القرينة هي المحور في استفادة التّعيّن فما الحاجة إلى اللّام؟ وكيف تكون اللّام دالّة على التّعيّن؟
قد يقال: إنّه على القول بكونها لمجرّد التّزيين، فكيف يقال بأنّ الجمع المحلّى باللّام يدلّ على العموم مع أنّ الجمع من دون اللّام لا يدلّ عليه؟
وأجاب عنه: بأنّه قد وُضعت الهيئة التّركيبيّة من اللّام والجمع للعموم، لا أنّ اللّام دلّت على العموم بنفسها، وإلّا لصار المعنى ذهنيًّا محضًا لا ينطبق على الخارج أيضًا.
وإن أبيتم إلّا عن القول بكونها ذات دلالة، فتلكن دالّة على الاستغراق لا على التّعيّن، فهي لا تدلّ على الاستغراق من باب التّعيّن، إذ كما أنّ المرتبة الأعلى من جميع الأفراد متعيّنة فكذا المرتبة الأدنى من أقلّ الجمع متعيّنة.

