الجمع بین المطلق و المقید
ما زال الكلام في الجمع بين المطلق والمقيّد المتنافيين.
وقد ذهب المحقّق النّائينيّ إلى وجه ثالث للجمع بينهما ناظرًا بالنّقض إلى ما جاء في كلمات الشّيخ الآخوند.
ومفاد هذا الوجه هو أنّ الدّليل المقيّد قرينة على الدّليل المطلق مطلقًا، أي حتّى لو كان ظهور القرينة أضعف من ظهور ذي القرينة لكنّه مع ذلك يكون مقدّمًا عليه، كما لو كانت دلالة القرينة بالإطلاق ودلالة ذي القرينة بالوضع، فإنّه مع ذلك يكون ظهور القرينة هو المقدّم.
ثم أشار إلى ضابطة تعيين القرينة من ذي القرينة، لتطبيق قاعدة كون الأصل الجاري في القرينة حاكمًا على الأصل الجاري في ذيها، مع الالتفات إلى أنّ القرينة لا تكون حاكمة على ذي القرينة بل الأصل هو الحاكم، وهي مقدّمة لكون المقام من الحكومة النّوعيّة لا الشّخصيّة الاصطلاحيّة عندهم. وإلى هذا يرجع معنى ما يقال من أنّ إطلاق المقيّد مقدّم على إطلاق ذي التّقييد أي المطلق.
وإذ يبعد التّمكّن من إعطاء ضابطة لا تتخلّف على اختلاف الموارد، فمفاد الضّابطة في الجملة:
هو أنّ كلّ ما فُرض من متمّمات الكلام بنحو أعمّ من الاصطلاح النّحويّ ومن الخصوصيّات الزّائدة على أصله، فيعدّ قرينة، في مقابل ما لم يكن من هذا القبيل فهو الأصيل في الكلام وذو القرينة.
فالفعل والفاعل وكذا المبتدأ والخبر وما شاكل، هي من أساسيّات الكلام الّتي يتقوّم بها، فلا تكون في عداد القرائن. أمّا النّعت والحال والتّمييز وما كان من قبيلها من متمّمات الكلام، فهو من قبيل القرائن؛ كقوله "أكرم عالمًا عادلًا"، العادل هنا قرينة مقيّدة لإطلاق العالم.
وقد تعسّر إبراز ضابطة تامّة جارية في مختلف الموارد، لكون بعض الموارد مشتبهة كما في المفعول به، إذ يمكن أن يكون قرينة على الفعل ويمكن أن يكون الفعل قرينة عليه. مثلًا قوله في دليل الاستصحاب:"لا تنقض اليقين بالشّكّ":
هل اليقين قرينة على المراد من النّقض أم أنّ النّقض قرينة على المراد من اليقين؟
فلو كان النّقض قرينة مع تضمّنه لمعنى الاستحكام، لكان اليقين في المورد هو في خصوص موارد الشّكّ في الرّافع مع تماميّة المقتضي كما ذهب إليه الشّيخ الأعظم، فيما لو كان اليقين بإطلاقه قرينة على النّقض، لكان المراد هو نقض الاستمرار بحيث يشمل مفاد الرّواية موارد الشّكّ في المقتضي أيضًا كما ذهب إليه الشّيخ الآخوند ومن تبعه.
ومثال موارد انطباق الضّابطة توابع الكلام كما ذكرنا، بنحو إذا قال المولى:"أكرم العالم العادل" أُخذ بإطلاق العادل بحيث لا يُكترث باحتمال وجود قرينة إضافيّة ملحوظة في العالم. وهكذا قوله "رأيت أسدًا يرمي"، فعل "يرمي" حال للأسد، وهو قرينة على أنّ المراد من الأسد هو الرّجل الشّجاع، ولا يقال بقرينيّة الأسد على "يرمي" وأنّ المقصود منه رمي التّراب. فالأصل الجاري في "يرمي" مقدّم على الأصل الجاري في "الأسد". وهذا التّقديم محكّم حتّى لو كان ظهور "يرمي" مشيّدًا بواسطة الإطلاق أو الانصراف، وظهور "الأسد" بالوضع.
إذن، يرى المحقّق النّائينيّ أنّ ما كان من قبيل الحال والوصف والتّمييز وما شاكلها من متمّمات الكلام تعدّ قرائن، والأصل الجاري فيها مقدّم على الأصل الجاري في ذي القرينة، وليس وجه التّقديم هي الحكومة الاصطلاحيّة كما ظنّ السّيّد الرّوحانيّ، إذ من الواضح أنّ تلك مقيّدة بوجود نظارة شخصيّة من جهة الحاكم على المحكوم أي من المقيّد على المطلق هنا، بل الفرض أنّ بينهما تنافي. والصّحيح أنّ هذا التّقديم عنده يقع بالحكومة النّوعيّة لا الشّخصيّة لكون القرينيّة نوعيّة لا شخصيّة.
ففي مثال "رأيت أسدًا يرمي"، "يرمي" قرينة ناظرة إلى الأسد نظارة نوعيّة لا شخصيّة معدّة من قبل المتكلّم لتفسير المحكوم، وهذه القرينة مستبطنة لإشارة إلى أمر يعيّن المراد من "الأسد"، أي هي متعرّضة لحاله والمراد منه، بخلاف لفظ "الأسد" الّذي يخلو عن القرينيّة والمفسّريّة النّوعيّة للقرينة الجائية بعده.
وبالنّتيجة، القرينة تتعرّض لحال ذيها من دون أن يكون لذيها مثل ذلك التّعرّض، ما يعني أنّ ما كان من قبيل القرينة يُتصوّر فيه معنى النّظارة النّوعيّة لا الشّخصيّة والّتي تستدعي كونه مفسّرًا للفظ آخر. ومن هنا تعلم أنّ المهمّ تعيّنه في الكلام هو النّاظر والمنظور إليه والمفسِّر والمفسَّر، حتّى لا يختلط الأمر ويدّعى العكس.

