الجمع بین المطلق و المقید
كان الكلام في تقرير كلام المحقّق النّائينيّ في وجه الجمع بالتّقييد بين المطلق والمقيّد المتنافيين.
أنكر المحقّق النّائينيّ كون تقديم المقيّد على المطلق من باب قوّة الظّهور كما ذهب إليه الشّيخ الآخوند، ورأى أنّ التّقديم يكون بملاك القرينيّة. فأصل الظّهورفي متممّات الكلام الّتي ليست مقوّمة له من قبيل الحال والوصف وما شاكل ممّا يجعله العرف قرينة على ألفاظ أخرى، مقدّم وحاكم على أصل الظّهور في أصل الكلام وأساسه أي ذي القرينة، من دون ملاحظة الأقوائيّة في الظّهور.
نعم، يشكل الأمر في بعض الموارد مثل المفعول به، حيث يكون أحيانًا قرينة على المراد من الفعل وأخرى بالعكس، وقد ذكرنا أمثلة لذلك في الدّرس السّابق.
ولا يقال بوقوع التّعارض بينهما من حيث إنّ مثبتات الأمارات والأصول اللّفظيّة حجّة، فكما أنّه يمكن أن يكون الأصل الجاري في القرينة معيّنًا للمراد من ذي القرينة كذا يمكن العكس.
لأنّه يقال: إنّ تلك المثبتات حجّة ما لم يكن هناك حكومة نوعيّة كالّتي صوّرها المحقّق النّائينيّ، وحيث إنّ ظهور القرينة حاكم على ظهور ذي القرينة، فإنّه لا ينعقد لذي القرينة ظهور رأسًا على خلاف القرينة ليكون أصل الظّهور فيه معارضًا لأصل الظّهور في القرينة.
معنى القرينة مستبطن لمبيّنتها ومفسّريّتها لشيء آخر، وهذا ما يخلو منه ذو القرينة بحسب الفرض، بل حتّى لو عيّنّا المراد من ذي القرينة بنحو ما، كان لازمه أن يعيّن المراد من القرينة من دون نظارة ولا حكومة نوعيّة. ففي مثال "رأيت أسدًا يرمي"، لو كان المراد من الأسد هو الحيوان المفترس، لكان معيّنًا لكون المراد من "يرمي" رمي التّراب لا السّهام بالاستلزام، لا أنّه يبيّن المراد من "يرمي" من حيث إنّه ناظر إليه ومفسّر له. إذ بتعيين معناه على خلاف ما تقتضيه القرينة لا ينقلب معناه عمّا هو عليه من حيث إنّه ليس ناظرًا ولا مفسّرًا لغيره، أي لا يصير ذو القرينة قرينة، بعد أن بيّنّا أنّ القرينة عرفًا معدّة نوعًا لمثل تلك النّظارة والمفسّريّة دون ذي القرينة. فحقيقة الحال تقتضي أن يكون هناك لفظ هو ذو الحال، وكذا حقيقة الوصف تستدعي موصوفًا، من دون عكس.
وعليه، "يرمي" لها نظارة إلى "الأسد" وهي مبيّنة لمعناه، وبالنّتيجة يكون ظهور القرينة مقدّمًا على ظهور ذيها ولو كان أضعف؛ ومع فرض النّظارة لا يبقى ظهور لذي القرينة ليفترض أنّه منافٍ فيعارض.
هذا كلّه في مورد القرينة المتّصلة؛ أمّا في مورد القرينة المنفصلة وهي محلّ كلامنا:
فضابطة القرينيّة ترجع إلى ضابطة الجمع العرفيّ، بحيث يُنظر حالهما ما لو جمعا في كلام واحد كما لو صدرا كذلك، فهل يكون التّنافي محكّمًا بينهما؟ أم يمكن الجمع؟ وكيف يجمعان؟ فحالهما ما لو افترقا كحالهما لو اجتمعا.
مثلًا، لو قال المولى "أكرم العالم" و"لا تكرم الفاسق"، فبينهما تنافٍ في مورد العالم الفاسق حال الاجتماع وكذا حال الافتراق، بخلاف ما لو قال "أكرم العالم" و"أكرم العالم العادل" بحيث لو كانا في كلام واحد لجمعا من دون أيّ تنافٍ، وكان وصف "العادل" قرينة على المراد من "العالم"، فحالهما في مورد الافتراق كحالهما في مورد الاجتماع أيضًا.
ولا بدّ من الالتفات مجدّدًا إلى أنّه ليس المقصود من الحكومة هنا الحكومة الاصطلاحيّة، لأنّها تكون حال وجود نظارة شخصيّة، ولا وجود لهذا النّحو من النّظارة بين المطلق والمقيّد، وإلّا لما احتاج المحقّق النّائينيّ للجمع بينهما للاستعانة بالجمع العرفيّ، بل لكان الجمع شخصيًّا لا عرفيًّا نوعيًّا.
نعم، قد يُدّعى في مورد القيد المتّصل وجود نظارة شخصيّة وحكومة بالمعنى الاصطلاحيّ، لكن في مورد القيد المنفصل ليس الأمر كذلك حتمًا، لذا استعان بالجمع العرفيّ لبيان كون الأصل الجاري في القرينة حاكمًا على الأصل الجاري في ذي القرينة ومقدّمًا عليه من باب الحكومة النّوعيّة والقرينيّة العامّة.
نعم يبقى أنّه في مورد القرينة المتّصلة سوف لن ينعقد ظهور للمطلق رأسًا، أمّا في مورد القرينة المنفصلة فينعقد الظّهور الإطلاقيّ لكنّه لا يكون حجّة بعد ورود القرينة. وكلامه هنا لا ينسجم مع كلامه الّذي ذكره في بيان المقدّمة الثّانية من مقدّمات الحكمة حيث قال بشرطيّة عدم القرينة ولو المنفصلة لانعقاد ظهور الإطلاق، فيقع بين كلاميه التّهافت كما هو واضح.
وكيف كان، كلامه هنا متين وقويّ، وقد قوّاه السّيّد الصّدر وقبله أيضًا.
هذا كلّه في الجهة الأولى من الجهات الثّلاث الّتي تعرّض لها المحقّق النّائينيّ في مسألة الجمع بين المطلق والمقيّد.
وأمّا الجهة الثّالثة: فقد ذكر أنّه إنّما يتأتّى البحث عن هذه المسألة في موارد الأدلّة الّتي بصدد بيان أحكام تكليفيّة دون تلك النّاظرة إلى أحكام وضعيّة من بيان جزء وشرط ومانع بالنّسبة لدليل آخر، إذ تكون خارجة عن محلّ بحثنا، إذ لا ترديد فيها من جهة التّقييد. كأدلّة شروط الصّلاة من قبيل شرط الطّهارة وشرط الاستقبال، إذ إنّ لسانها لسان شرطيّة وبيان لحكم وضعيّ، وهكذا في الألسنة المبيّنة للجزئيّة والمانعيّة وو، لا مجال إلّا للقول بالتّقييد ورفع اليد عن الإطلاق.
وأمّا الجهة الثّانية: فهي الّتي تعرّض فيها لبيان نكتة الجمع بالتّقييد وضابطته.
ذهب المحقّق النّائينيّ إلى أنّ الجمع بالتّقييد يتأتّى في مورد فُرض فيه حكم واحد وقد دار أمره بين الإطلاق والتّقييد، وإلّا فلا معنى للتّقييد كما لا يخفى. فما دام الحكم واحدًا وموضوعه واحد وهو إمّا المطلق وإمّا المقيّد، يقع التّنافي بين الدّليلين ونحتاج إلى الجمع، وقد قلنا بالجمع بينهما بالتّقييد.
وهذا ما ذكره المحقّق الآخوند من أنّه حيث فُرضت وحدة الحكم لدليلين مطلق ومقيّد وقع التّنافي بينهما وكان لا بدّ من الجمع بينهما. هذا ولا فرق عنده بين أن تكون وحدة الحكم مستفادة من وحدة السّبب أو من قرينة حاليّة أو مقاليّة، من دون أن يبيّن ضابطة خاصّة.
وقد رأى السّيّد الرّوحانيّ _بعد بيانه لضابطة المحقّق النّائينيّ الّتي سيأتي الكلام فيها_ عدم تماميّة ذلك، بل لا قيمة للبحث في ضابطة وحدة الحكم بعد أن كانت الوحدة والتّعدّد من الأمور المتشخّصة بوضوح في الأدلّة الخارجيّة.
لكنّ كلامه غير تامّ بحسب شيخنا الأستاذ، ونحن بحاجة إلى بيان ضابطة لوحدة الحكم، وهي ما تصدّى له الشّيخ الأعظم أيضًا من السّابقين.
حاول المحقّق النّائينيّ إبراز ضابطة تكشف وحدة الحكم، فقال: تارة يكون الدّليلان المطلق والمقيّد متعرّضين لبيان السّبب، وأخرى لا، وثالثة ذُكر السّبب في أحدهما ولم يذكر في الآخر.
ثمّ حيث ذُكر السّبب في كلّ منهما، فتارة يكون السّبب واحدًا مثل "إن أفطرت فأعتق رقبة" و"إن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة"؛ وأخرى يكون السّبب متعدّدًا مثل "إن ظاهرت فأعتق رقبة" و"إن أفطرت فأعتق رقبة مؤمنة". والحاصل من هذه التّشقيقات أربع صور.
الأولى: ذُكر السّبب في كلّ من المطلق والمقيّد وهو واحد فيهما، فهنا وحدة الحكم واضحة، والجمع بالتّقييد على طبق ما ذكرنا واضح أيضًا.
الثّانية: ذُكر السّبب في كلّ منهما لكنّ السّبب المذكور في أحدهما مختلف عن السّبب المذكور في الآخر، فهنا لا مجال للتّقييد لأنّ تعدّد الحكم واضح ولا تنافي بين إطلاق موضوع حكم وتقييد موضوع حكم آخر كما لا يخفى.
ووقع الكلام في الصّورتين الثّالثة والرّابعة، حيث لم يذكر السّبب في أيّ منهما وهي الثّالثة، وحيث ذُكر السّبب في أحدهما ولم يذكر في الآخر وهي الرّابعة.

