الإطلاق المقامي
ما كنّا بصدد البحث عنه إلى هنا هو الإطلاق اللّفظيّ، وهو بمعنى الشّيوع والشّمول والسّريان.
ويمكن حمله على هذا المعنى في مختلف الموارد بلحاظ عدم وجود القيد، وإن كانت نتيجته في بعض الموارد هي البدليّة أو التّعيّن لا الشّمول، خلافًا للشّيخ الآخوند الّذي رأى أنّه لا يكون بمعنى الشّمول في مورد التّعيّن حيث يتعيّن كون الوجوب عينيًّا تعيينيًّا نفسيًّا.
وقد طرح العلماء في مقابل الإطلاق اللّفظيّ ما عبّروا عنه بالإطلاق المقاميّ الّذي يختلف جذريًّا عن الإطلاق اللّفظيّ من جهات سيأتي بيانها، بل إنّ الإطلاق المقاميّ بنفسه ينقسم إلى أقسام بحسب موارد استعماله تتغاير فيما بينها كما يتغاير الإطلاق اللّفظيّ والإطلاق المقاميّ.
ويمكننا أن نقسّم الإطلاق المقاميّ إجمالًا إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأوّل: وهو يرجع في الحقيقة إلى الإطلاق اللّفظيّ، وليس التّعبير عنه بالمقاميّ إلّا من باب المسامحة ومجاراة القوم.
ومثاله إطلاق صحيحة حمّاد الواردة في بيان كيفيّة الصّلاة من حيث الأجزاء والشّرائط وما شاكل، أو إطلاق الخبر الحاكي عن وضوء رسول الله صلّى الله عليه وآله.
ولا مشاحّة في الاصطلاح، لكنّه يتّفق مع الإطلاق اللّفظيّ حقيقة ومناطًا ويختلف حقيقة عن الإطلاق المقاميّ.
ففي مورد صحيحة حمّاد يبيّن الإمام عليه السّلام أجزاء الصّلاة بلا فرق بين البيان باللّفظ أو بالفعل، فإن شككنا في جزئيّة أو شرطيّة شيء، تمسكّنا بالإطلاق اللّفظيّ لنفيه، ولو أطلق على هذا الإطلاق أنّه مقاميّ لكان مسامحة لا حقيقة.
فلو عدّد الإمام عليه السّلام باللّفظ أجزاء الصّلاة من تكبير وقراءة وركوع وسجدتين وتشهّد وتسليم، ولم يذكر القنوت بينها، فإنّ الإطلاق اللّفظيّ يدلّ على أنّ القنوت ليس جزءًا من الصّلاة. وهكذا الحال لو كان في مقام البيان بالعمل فكبّر وقرأ وركع وسجد السّجدتين وتشهّد وسلّم، ولم يأت بالقنوت، تمسّكنا أيضًا بالإطلاق اللّفظيّ لنفي جزئيّته. إذن، ما تمسّكنا به لنفي الجزئيّة في هذين الفرضين هو ليس شيء آخر غير الإطلاق اللّفظيّ وإن أطلق عليه عنوان الإطلاق المقاميّ.
وهنا لا بدّ من إحراز مقدّمات الحكمة ككون الإمام عليه السّلام في مقام البيان.
القسم الثّاني: أن يكون المتكلّم بصدد بيان أمر ما، مع وجود خصوصيّات وأمور مرتبطة به، لكن:
إمّا أنّ المتكلّم سكت عنها لعدم كونه في مقام بيانها، وإمّا أنّه لا يمكنه أن يكون في مقام بيانها، بحيث يستفاد في الحالين من سكوته عدم دخالة تلك الخصوصيّات المسكوت عنها أو يستفاد تعيّن خصوصيّة معيّنة.
ومثاله الأوّل: هي القيود والانقسامات الثّانويّة كقصد الأمر وقصد الوجه أو كأخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، الّتي لا يمكن أخذها في متعلّق الأمر أو في الموضوع، بحيث لا يمكن للمتكلّم أن يكون في مقام بيان تلك الانقسامات، فلا يمكن التّمسّك بالإطلاق اللّفظيّ من حيث إنّه لم يأخذها ولم يلحظها في الجعل. فالسّكوت الّذي يكون كاشفًا عن عدم دخالة قيد في الجعل هو الكائن في مقام البيان حيث يمكن للمتكلّم بيانه لكنّه مع ذلك لم يأخذه.
وهذا يعني أنّه لا يمكن الكشف عن عدم دخالة هذه القيود من خلال الإطلاق اللّفظيّ، لاستحالة التّقييد فيستحيل الإطلاق اللّحاظيّ أيضًا. لكن مع ذلك يمكن نفي دخالة هذه القيود من خلال الإطلاق المقاميّ كما صرّح بذلك الشّيخ الآخوند في بحث التّعبّديّ والتّوصّليّ.
وذلك لأنّه وإن كان أخذ هذه القيود والانقسامات في المتعلّق مثلًا مستحيلًا، لكن بالالتفات إلى أنّه يمكن للمتكلّم بيان كون حصول الغرض متوقّفًا عليها ولو بالاتيان بجملة خبريّة مفيدة لذلك وما شاكل من متمّمات للجعل، وبالالتفات إلى أنّ مثل هذه القيود هي محلّ لغفلة عموم المخاطبين عنها، فيمكن من خلال السّكوت عنها وعدم بيانها استفادة عدم دخالتها في تحقّق الغرض، وإلّا لكان المتكلّم ناقضًا لغرضه.
إذ إنّ هذا السّكوت من قبل الشّارع هو تفويت لغرضه، حيث إنّ المخاطبين غافلون عن هذه القيود رأسًا، فعلى فرض كونها دخيلة في تحقّق الغرض ومع ذلك تركها فقد فوّت غرضه بنفسه، وهذا ممنوع في حقّ الحكيم، فلا بدّ من أن يكون هذا السّكوت كاشفًا عن عدم دخالتها.
ويختلف هذا القسم من الإطلاق المقاميّ عن الإطلاق اللّفظيّ من جهات متعدّدة:
الأولى: من حيث المنشأ، فمنشأ هذا الإطلاق المقاميّ هو غفلة عموم المخاطبين وعدم التفاتهم لاحتمال دخالة القيود الثّانويّة في الغرض. فيما لا ينشأ الإطلاق اللّفظيّ عن عدم الالتفات بل عن عدم القيد.
الثّانية: كون الإطلاق اللّفظيّ مشروطًا بكون المتكلّم في مقام البيان، في حين أنّه أحيانًا لا يمكن أن يكون في مقام البيان في مورد الإطلاق المقاميّ كما في هذا القسم الثّاني.
الثّالثة: يختلفان في النّتيجة، فنتيجة الإطلاق اللّفظيّ هو ظهور اللّفظ، ولذلك يكون قابلًا للتّقييد، في حين أنّ نتيجة هذا الإطلاق المقاميّ هي القطع واليقين بالنتيجة كعدم دخالة القيود الثّانويّة في الغرض.
الرّابعة: يختلفان في التّطبيق، فالإطلاق اللّفظيّ يجري في الانقسامات الأوّليّة فيما يجري هذا الإطلاق المقاميّ في الانقسامات الثّانويّة.
الخامسة: يختلفان من حيث الدّليل، فدليل الإطلاق المقاميّ من هذا القسم هو حكم العقل بلزوم تحفّظ المولى على أغراضه اللّزوميّة، فيما دليل الإطلاق اللّفظيّ هي سيرة العقلاء في باب المحاورات بنكتة نفي الإجمال.
نعم، يتّفقان من حيث إنّ نتيجة الإطلاق المقاميّ لا تكون دائمًا الشّيوع والسّريان بل تكون أحيانًا التّعيّن، وهو ما سيظهر في مثال تعيين المعاني العرفيّة من الألفاظ المستعملة من قبل الشّارع. كما أنّ الإطلاق اللّفظيّ قد يفيد التّعيّن لا الشّيوع (بناءً على تقريب الشّيخ الآخوند).
وأمّا المثال الثّاني لهذا القسم: فهو حمل الألفاظ المستعملة في كلام الشّارع على معانيها العرفيّة.
مثلًا، يأمر الشّارع بغسل الثّوب؛ فهذا الأمر له إطلاق لفظيّ من حيث إنّ المولى في مقام بيان الأمر بالغسل، والأمر يقتضي الوجوب، ويستفاد من الإطلاق كفاية الغسل مرّة واحدة، وكذا يستفاد عدم الفرق بين الماء المستخدم للغسل أي سواء كان ماء بئر أو بحر أو عين أو.. لكن ما هو معنى الغسل؟ والفرض أنّ المولى لم يتعرّض في أيّ خطاب لبيان معنى الغسل، بل لم يكن في مقام بيانه أصلًا، ففي هذه الحالة يحمل لفظ الغسل على معناه العرفيّ، لأنّه لو كان للشّارع اصطلاح خاصّ في الغسل ومع ذلك لم يشر إليه، والحال أنّ المخاطب يحمله على المعنى العرفيّ من جهة الارتكاز اللّغويّ الفطريّ العامّ، بل ولا يحتمل أن يكون مراده من الغسل شيئًا آخر غير المعنى العرفيّ، مع هذا كلّه لو لم يكن مراد المولى من الغسل هو نفس المعنى العرفيّ لكان منجرًّا فعله إلى نقض وتفويت غرضه، وبالتّالي مخالفة الحكمة، بحيث يمكننا أن نستكشف من عدم بيانه لاصطلاح خاصّ أنّ مراده من اللّفظ هو عين المعنى العرفيّ.
والمراد من الحكمة هي الحكمة المتحقّقة في مورد العقلاء، لا خصوص الحكمة الذّاتيّة الإلهيّة.
إذن، الحكمة تقتضي أنّه على المتكلّم بيان الأمور الدّخيلة في تحقّق أغراضه اللّزوميّة بنحو يكون في معرض الوصول إلى المخاطبين.
ومن هنا تعلم أنّ الإطلاق المقاميّ ينتج حمل اللّفظ في كلام الشّارع على المعنى العرفيّ مع كونه ليس في مقام بيان مفهوم هذا اللّفظ بل هو في مقام بيان شيء آخر كوجوب الغسل. ولكن ولأنّ المولى في مقام التّحفّظ على ملاكاته وأغراضه يستكشف من سكوته مراده من اللّفظ وأنّه نفس المعنى العرفيّ.
إنّ المولى قد أرسل الرّسل وأنزل الكتب من أجل هداية المخاطب وحفظ أغراضه، وسكوته عن بيان معاني ألفاظه مخلّ بهذا المقام لو كان يريد شيئًا آخر غير معناه العرفيّ، لذا تحتّم بالقطع حمل تلك الألفاظ على معانيها العرفيّة ونفي الاصطلاح الخاصّ للشّارع في موردها يقينًا.
وكما ترى، ليست نتيجة هذا الإطلاق المقاميّ الشّيوع والسّريان بل نتيجته تعيّن حمل اللّفظ على معناه العرفيّ. مع الالتفات إلى ما ذكرناه آنفًا من أنّ دليل هذا الإطلاق المقاميّ هو حكم العقل بلزوم التّحفّظ على الأغراض اللّزوميّة.
وهذا القسم من الإطلاق المقاميّ هو على خلاف الأصل، أي لا بدّ من إحراز كون تلك الخصوصيّة من الخصوصيّات الّتي يكون السّكوت عنها موجبًا لتفويت غرض إلزاميّ للمتكلّم.
وبالنّتيجة، حيث كان يعلم المتكلّم أنّه لو سكت لاحتاط المخاطب متحفّظًا على غرضه لم يكن المورد مجرى للإطلاق المقاميّ.

