الإطلاق المقامي
ما زال الكلام في الإطلاق المقاميّ، وقلنا إنّه ذو أقسام مختلفة ومتفاوتة حقيقة ومناطًا، إلى حدّ أنّ مستوى الاختلاف بينها كمستوى الاختلاف بين الإطلاق اللّفظيّ والإطلاق المقاميّ.
آخر الكلام كان في القسم الثّاني من أقسام الإطلاق المقاميّ، وهو الّذي يتأتّى بنكتة لزوم التّحفّظ على الأغراض المولويّة ومنع فواتها، ويختلف عن الإطلاق اللّفظيّ ماهيّة ومناطًا ونتيجة وتطبيقًا ودليلًا كما مرّ.
وليس الجمع بينهما على مستوى التّعبير تحت عنوان الإطلاق المقاميّ إلّا من باب الاشتراك اللّفظيّ، وإلّا فليس المعنى واحدًا كما عرفت. على أنّ القسم الأوّل من الإطلاق المقاميّ متّحد من مختلف الجهات مع الإطلاق اللّفظيّ حيث يكون البيان معتمدًا على الألفاظ ويختلف عنه في بعض الجهات إذا كان البيان معتمدًا على الفعل المولويّ.
وقد ذكرنا مثالين للقسم الثّاني: الأوّل انعقاده في مورد الانقسامات والقيود الثّانويّة، والثّاني انعقاده في مورد حمل الألفاظ المستعملة في كلام الشّارع على معانيها العرفيّة اللّغويّة.
وقد مرّ بنا أنّ الإطلاق اللّفظيّ يرجع إلى عدم التّقييد، في حين أنّ الإطلاق المقاميّ ليس كذلك بل هو راجع إلى عدم التّنبيه في مورد الغفلة العامّة، بحيث ينتج تعيينًا في مقابل التّرديد، ومع ذلك يختلف متعلّق التّعيين، فقد يعيّن الشّموليّة وقد يعيّن التّقييد (يشبه التّقييد الاصطلاحيّ نتيجة لكنّه بنكتة التّعيين لا التّقييد، إذ التّقييد يكون حيث يُجعل للطّبيعة قيد يحصّصها) وقد يعيّن شيئًا آخر كتعيينه لمعنى اللّفظ المستعمل في لسان الشّارع.
وبعبارة أخرى: الإطلاق اللّفظيّ يقتضي عمومًا الإرسال والشّمول ونفي القيد، في حين أنّ الإطلاق المقاميّ من هذا القسم يقتضي تعيينًا مقابل التّرديد أيًّا يكن المعنى المتعيّن من جهة الشّمول أو التّضيّق. وهذا ليس إلّا بيانًا لآثار الاختلاف الماهويّ القائم بينه وبين الإطلاق اللّفظيّ المعهود.
ومن هنا نقول: في الإطلاق اللّفظيّ حتّى لو كانت النّتيجة هي التّعيين كما في مورد تعيّن الوجوب النّفسيّ والعينيّ والتّعيينيّ، لكنّه تعيين بواسطة عدم التّضييق والسّريان أي نفي القيد، أمّا هنا فالإطلاق رأسًا ليس بمعنى عدم التّضييق والسّعة والسّريان.
ويختلف هذا الإطلاق بقسمه الثّاني عن الإطلاق اللّفظيّ من جهة المناط:
فمناط الإطلاق اللّفظيّ هو الظّهور والدّلالة على السّريان، ونكتة انعقاد هذا الظّهور هي عدم الإجمال، فتكون نتيجته النّهائيّة ظهورًا مستفادًا من الإطلاق. في حين أنّ مناط الإطلاق المقاميّ هو حكم العقل بلزوم التّحفّظ على الأغراض المولويّة الإلزاميّة وقبح تفويتها، فتكون نتيجته قطعًا بالمراد. ففي الفرض الّذي يكون فيه عدم تنبيه المولى للمخاطب وعدم إلفاته إلى خصوصيّة ما موجبًا لفوات الغرض الإلزاميّ، يحكم العقل بناءً على قبح وقوعه من الحكيم، بأنّ عدم تنبيه المتكلّم عليها كاشفًا عن عدم دخالة المغفول عنه في غرض المولى.
فالإطلاق اللّفظيّ يكون بنكتة الظّهور ولا يختصّ بمورد حفظ الأغراض اللّزوميّة للمولى، بل قد ينتهي بنفسه إلى نقض الغرض، وليس هذا حال الإطلاق المقاميّ على تفصيل سيأتي بين الأغراض الإلزاميّة وغيرها.
ويختلف هذا الإطلاق بقسمه الثّاني عن الإطلاق اللّفظيّ تطبيقًا أيضًا:
فالإطلاق اللّفظيّ يستفاد حيث يكون التّقييد ممكنًا ثبوتًا وإثباتًا، أي لا استحالة في أخذ القيد في الجعل ثبوتًا، ولأجل إثبات الإمكان الإثباتيّ ينبغي أن يكون المتكلّم في مقام البيان من جهة القيد المحتمل إثباتًا. أمّا في مورد الإطلاق المقاميّ، فإنّه قابل للانعقاد حتّى في موارد استحالة التّقييد ثبوتًا كما في مورد الانقسامات الثّانويّة، بل وحتّى لو لم يكن المتكلّم في مقام بيان تلك القيود إثباتًا.
ويختلفان نتيجة كما ذكرنا، إذ نتيجة الإطلاق اللّفظيّ هي الظّهور، فيما نتيجة الإطلاق المقاميّ هي القطع بالمراد الواقعيّ للشّارع.
ومن خلال ما تقدّم، ظهر لك أنّ الإطلاق اللّفظيّ هو إحدى نتائج الإطلاق المقاميّ، لأنّ الإطلاق المقاميّ يفيد كون الكلام الظّاهر محمولًا على معناه العرفيّ، فيتأتّى الكلام عن إطلاق لفظيّ في الكلام بعد تعيين معناه. نعم، ليست نتائج الإطلاق المقاميّ محصورة في هذا المورد، فهنا نتيجته القطع بظهور اللّفظ لكنّه في موارد أخرى تكون نتيجته القطع بالمراد المولويّ الواقعيّ.
وظهر أنّ معيار الأخذ بالإطلاق المقاميّ في هذا القسم هو لزوم التّحفّظ على الأغراض الإلزاميّة، بحيث يرى الشّارع أنّه لو لم ينبّه ويلفت المخاطبين إلى أمر مغفول عنه عندهم، فإنّهم سيقعون في الاشتباه والغلط، وهو ليس اشتباهًا ناشئًا عن عناد أو عصيان أو تقصير بل هو ناشئ عن غفلة وقصور، فيلزم عليه أن ينبّه ويلفت، لكون سكوته موجبًا لضياع وفوات غرضه الإلزاميّ، والحال أنّ هذا التّفويت لو وقع لكان مستندًا إلى المولى لا إلى المخاطبين لقصورهم، وهو منافٍ لمقام الحكمة، بحيث نقطع _أنّه ما لم ينبّه وسكت عن البيان_ بعدم دخالة المغفول عنه عند العموم في غرضه اللّزوميّ.
ويختلف الإطلاق المقاميّ بقسمه الثّاني عن الإطلاق اللّفظيّ من حيث دليل الاعتبار:
فدليل اعتبار الإطلاق اللّفظيّ هو الظّهور الحجّة حتّى لو كان ناشئًا عن مقدّمات الحكمة لا عن الوضع، أمّا دليل اعتبار الإطلاق المقاميّ فله تقريرات مختلفة:
الأوّل: لزوم التّحفّظ على الأغراض اللّزوميّة وقبح تفويتها.
بالبيان المتقدّم من أنّ سكوت الشّارع عن التّنبيه على دخالة خصوصيّة في غرضه يوجب فوات الغرض اللّزوميّ، والحكمة تقتضي أن يتحفّظ على أغراضه اللّزوميّة حتّى لا يكون هناك قصور في المعرفة والهداية، بحيث يكون سكوته كاشفًا عن عدم دخالتها في الغرض.
ومن هنا قلنا بأنّه يلزم على الشّارع بيان المستحبّات والمكروهات، ولا يبعد القول بلزوم إفتاء الفقيه في موردها.
نعم، ليس غرض الشّارع في مورد المستحبّات والمكروهات هو الفعل أو التّرك الإلزاميّين، لكن غرضه أن يحصل تمكين للمكلّف منها، بحيث يتمكّن المكلّفون من الوصول إليها. فحتّى لو لم تكن المستحبّات لازمة الاتيان ولا المكروهات لازمة التّرك، لكنّ بيانها لازم لتحصيل غرض تمكّن المخاطبين منها ولكي لا يكون هناك قصور في البيان من جهة الشّارع.
وعلى هذا يكون غرض التّمكّن من المستحبّات والمكروهات غرضًا لزوميًّا في نفسه، وتحقيقه متوقّف على البيان.
وكيف كان، هذه النّكتة الّتي يشيّد على أساسها الإطلاق المقاميّ لا تختصّ بالشّارع بل ثابتة في مورد العقلاء، لذا يجري الإطلاق المقاميّ في مورد القوانين الوضعيّة أيضًا لكون غرض المقونن التّحفّظ على أغراضه اللّزوميّة.

