الإطلاق المقامي
ما زال الكلام في القسم الرّابع من أقسام الإطلاق المقاميّ، حيث قلنا إنّ هذا القسم ذو استعمالات وثمرات واسعة في الفقه، ولذا هو أكثر أقسام الإطلاق المقاميّ أهمّيّة.
وضابطة هذا القسم هو أن يبتني تفسير اللّفظ في الدّليل على بيان آخر بما يخرجه عن الإهمال والإجمال.
وليس ببعيد القول بأنّ هذا القسم محلّ قبول جميع العلماء حتّى الأخباريّين منهم، وعلى اختلاف أنظارهم في بحث الإطلاق.
وسنعمد إلى ذكر أمثلة لهذا القسم تتبيّن من خلالها حدوده ونطبّق على أساسها نكاته، ما يُتحرّز به عن الخطأ في تطبيقه:
المثال الأوّل: استفادة كيفيّات الأعمال المستحبّة _سواء كانت من قبيل العبادات أو من غيرها_ من خلال بيان كيفيّات الأعمال الواجبة؛ ككيفيّة الصّلاة المستحبّة الّتي لم يرد بيان فيها.
فلو جاء في الدّليل أن إذا زرت الحسين عليه السّلام فصلّ ركعتين، من دون أن يتعرّض لبيان كيفيّة هذه الصّلاة، فهنا قد اعتمد الشّارع في بيانه لكيفيّة هذه الصّلاة على بيان آخر لكيفيّة الصّلاة الواجبة في كلام آخر. وهذا بمعنى أنّ الكلام الفاقد للقيد المبيّن لأيّ خصوصيّة في كيفيّة الصّلاة، حتّى الخصوصيّة الإطلاقيّة بحيث لا سريان ولا شمول، يحمل على التّعيّن الوارد في دليل آخر بواسطة الإطلاق المقاميّ، فتؤخذ في هذه الصّلاة جميع القيود المأخوذة في الصّلاة الواجبة من طهارة وموالاة وما شاكل.
ولا يخفى أنّ التّعيّن الوارد هنا يختلف عن التّعيّن الّذي يقع نتيجة للإطلاق اللّفظيّ في بعض الموارد، إذ ذاك ينشأ عن عدم التّقييد كما في حمل الوجوب على النّفسيّ من حيث إنّه لم يقيّد بكونه لأجل واجب آخر، أمّا فيما نحن فيه فهو ينشأ من عدم التّنبيه، حيث إنّ الشّارع لم ينبّه على اختلاف هذا العمل عن العمل المعهود، بحيث لو لم يكونا على كيفيّة واحدة لوقع الإجمال.
وبالتّالي، وإن كانت نكتة هذا الإطلاق المقاميّ هي دفع الإجمال والإهمال كما هي نكتة الإطلاق اللّفظيّ، ولكن ليس معناه عدم التّضييق وعدم التّقييد بل عدم التّنبيه إلى الاختلاف منضمًّا إليه لزوم أن لا يكون هذا الكلام مجملًا ولا مهملًا، فينتج تعيّن الكيفيّة.
ولذا ترى أنّ هذا الإطلاق المقاميّ ينعقد في مختلف الأوامر المستحبّة المتعلّقة بمختلف المستحبّات من صلاة وصوم وحجّ وصدقة وو.
وهكذا الحال في الواجبات الّتي لم يبيّن لها كيفيّة خاصّة، فتحمل على نظائرها: كما لو أمر المولى بإخراج خمس الأرض المشتراة من الذّمّيّ من دون أن يعيّن مصارف هذا الخمس، انكشف بواسطة هذا الإطلاق المقاميّ كونه قد اعتمد على بيانه للمصارف في موارد أخرى، فتحمل مصارف هذا الخمس على مصارف سائر الأخماس مبيّنة المصارف.
إذن، الاعتماد على كلام آخر لبيان حيثيّات في الكلام الفاقد لبيان الخصوصيّة يرفع الإجمال. مع الالتفات إلى أنّه يُعتمد على بيان كيفيّة الصّلاة اليوميّة لبيان كيفيّة الصّلاة المستحبّة من حيث الجهات الّتي ترتبط بطبيعة الصّلاة الواجبة لا من حيث مطلق الخصوصيّات المعتبرة لا من حيث الطّبيعة كالمعتبرة من حيث خصوص الحصّة كالجهر والإخفات.
وبما مرّ عرفت أنّه إنّما يُحتاج إلى الإطلاق المقاميّ في المورد حيث لم يف الإطلاق اللّفظيّ بالغرض، كما لو لم يكن في دليل الجزئيّة أو الشّرطيّة إطلاق لفظيّ يشمل كلّ صلاة، وإلّا لكان الإطلاق اللّفظيّ هو المعتمد.
ومن هنا يظهر أنّه قد يجتمع في دليل واحد أكثر من إطلاق، كما لو كان له إطلاق لفظيّ وإطلاق مقاميّ، وكذا قد تتعدّد الإطلاقات اللّفظيّة والمقاميّة للدّليل الواحد.
نعم، لا بدّ من الالتفات إلى أنّه لا يعارض الإطلاق اللّفظيّ الإطلاق المقاميّ من جهة واحدة، إذ إنّ الإطلاق اللّفظيّ يتشكّل على أساس الإطلاق المقاميّ كما كنّا ذكرنا سابقًا، فلو اقتضى الإطلاق اللّفظيّ عدم اعتبار السّورة في الصّلاة المستحبّة، فيما اقتضى الإطلاق المقاميّ اعتبارها، كان المقدّم هو الإطلاق المقاميّ لتقدّمه رتبة على اللّفظيّ بحيث لا تتشكّل صورة للتّعارض بينهما.
ومن هذا القبيل الصّوم المستحبّ، حيث يقتضي الإطلاق المقاميّ اعتبار كلّ ما هو معتبر في مطلق الصّوم الواجب، من دون أن يقتضي اعتبار مختصّات بعض الصّوم الواجب في الصّوم المستحبّ؛ فليس يعتبر في صوم شهر رمضان خاصّة عدم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر، مع أنّه معتبر ذلك في مطلق الصّوم الواجب من غير الشّهر الكريم، وحال تطبيق الإطلاق المقاميّ تحمل كيفيّة الصّوم المستحبّ على كيفيّة الصّوم الواجب لا الصّوم الواجب الخاصّ، فيعتبر فيه عدم البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر.
وهكذا الحال في اعتبار النّيّة في الصّوم، فإنّها معتبرة في الكلّ، لكنّها معتبرة من طلوع الفجر في بعضها دون بعض آخر، ما يعني أنّ وقت النّيّة غير معيّن في مطلق الصّوم الواجب بل أمره متفاوت، وهذا ينعكس عدم تعيّن في الصّوم المستحبّ بحيث قد تكون النّيّة معتبرة من الفجر وقد تعتبر في زمان خاصّ آخر وهكذا.
ومن تطبيقات هذا الإطلاق المقاميّ تعيين كيفيّات الأعمال العباديّة للصّبيّ، بحيث تحمل على كيفيّات أعمال البالغين ويعتبر فيها ما اعتبر عند البالغين.
لكن مع ذلك، لا بدّ من التّدقيق في التّطبيق كما في مورد الصّلاة بمحاذاة مصلّ من جنس آخر. فقد اعتبر في صلاة البالغين شرط أن لا يصلّي الرّجل خلف امرأة ولا بمحاذاتها، لكن يمكن للصّبيّ غير البالغ أن يصلّي بمحاذاة فتاة غير بالغة أو خلفها، وذلك لأنّ ما اعتبر هو عدم صحّة محاذاة الرّجل لامرأة أو عدم تقدّمها عليه في الصّلاة، ولم يعتبر عدم جواز محاذاة الرّجل لأيّ أنثى ولو كانت غير بالغة ولا عدم تقدّم أيّ أنثى عليه.
بعبارة أخرى: لا بدّ من تطبيق ما أُخذ في صلاة البالغ مانعًا أو شرطًا بدقّة في صلاة الصّبيّ من دون اعتبار الزّائد. فكما أنّه يمكن للرّجل أن يصلّي بمحاذاة ابنته غير البالغة أو خلفها كذا يمكن للصّبيّ ذلك.
ومن هذا القبيل ما يقتضيه هذا الإطلاق المقاميّ من حمل كيفيّة عمل واجب على كيفيّة عمل واجب آخر، كما تعطف صلاة الآيات على الصّلاة اليوميّة من جهة الكيفيّة من حيث الكيفيّة الرّاجعة إلى طبيعة الصّلاة الواجبة لا من حيث الخصوصيّات المعتبرة في بعض حصصها. ولذا لا يلزم الجهر ولا الإخفات في صلاة الآيات ولا ينعقد من هذه الجهة إطلاق مقاميّ، فيكون المرجع هو الإطلاق اللّفظيّ لدليل صلاة الآيات، وإن لم يكن في البين إطلاق لفظيّ كان المرجع هو الأصل العمليّ.

