حجية القطع
مقدّمة في ما انتشر من تشكيك بالعقائد:
أحيانًا تُنشر في أجواء البلد أمور مؤسفة ومزعجة:
لكنّه تارة يكون التشكيك في الأحكام الشرعية الضّرورية، وأخرى يكون التّشكيك في أصول عقائد الدين والمذهب، ما يوجب على أولياء الأمر أن يتّخذوا ردّ فعل مناسب ومتلائم مع الحدث.
في الفيلم الذي انتشر أخيرًا لأحد المعمّمين، جرى التشكيك في إمامة الإمام الحجّة، والإمام الجواد، وسائر الأئمّة عليهم السّلام، بل وحتّى في إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام، ويعتقد المتحدّث أنّ المهم فقط هو النّبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله.
وفي الحقيقة الاعتقاد بمثل هذه الأمور سبب وبال المرء وشقائه ويجب عليه أن يسكت، وإلّا فإن أظهرها فضلًا عن التّرويج لها، فيعدّ كافرًا مرتدًّا بحسب الفتوى.
حكم إنكار الضّروريّ ــ الموجب للكفر والارتداد بحسب إجماع الفقهاء ــ لا يختصّ بإنكار ضروريّات الدّين وحدها، بل إنّ إنكار ضروريّات المذهب من قِبَل من ينتمي إليه موجب للارتداد أيضًا. بل كما قيل، إنّ ذلك لا يختصّ بالضّروريّات، ويشمل إنكار الأمر المعلوم والقطعيّ من الدّين بحيث يوجب إنكاره الكفر والارتداد، لأنّه يرجع إلى إنكار الرّسالة.
لذلك، من كان شيعيًّا ثمّ شكّ في إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام (فضلاً عن أن ينكرها) فهو مرتدّ وكافر. وكما أنّ إنكار حرمة الخمر (وهو من ضروريّات الدّين) يوجب الكفر، فكذلك بالنّسبة للشّيعيّ، إنكاره حرمة الفُقّاع (وهو من ضروريّات المذهب) يوجب الكفر والارتداد.
أفإنكار إمامة الأئمّة عليهم السّلام ليس من قبيل إنكار ضروريّات المذهب؟! كيف يجرؤ شخص في بلدٍ شيعي، ومع ادّعائه التّشيّع وارتدائه بلباس منسوب إلى علماء الشّيعة، أن يشكّك على الملأ في أمور تُعدّ من أصول عقائد الشّيعة، ولا يُعدّ ذلك ارتدادًا وكفرًا؟!
أليس سكوت أولي الأمر عن هذه المسألة نوعًا من نقص الغيرة؟ فالغيرة ليست في القضايا السّياسيّة فقط؛ الغيرة الدّينيّة لازمة كما الغيرة السّياسيّة.
أليس من الواجب على مسؤولي الحوزة أن يشعروا بالمسؤوليّة تجاه مثل هذه الأمور؟ أليس الدّفاع عن عقائد النّاس والدّفاع عن المذهب والحوزة من ضمن مسؤوليّاتهم جميعًا؟ والحال أنّ هذه القضيّة لم تُثر أيّ ردّ فعل من المسؤولين، فكأنّ شيئًا لم يكن.
بحسب ما أراه مناسبًا، يجب أوّلاً أن تُطرح هذه القضيّة على مستوى وسائل الإعلام الرّسميّة، وبالقدر المناسب لانتشارها في المجتمع، وأن يُجاب عنها بشكل علميّ؛ وبعد ذلك يجب أن يُتعامل مع الشخص حسب ما يقرّره الشّرع والفتوى.
العنف أحيانًا جزء من الدّين، والله تعالى شديد العقاب في محلّه، وقد استخدم النّبيّ صلّى الله عليه وآله العنف حيث اقتضى الأمر ذلك.
أولئك الّذين يطرحون مثل هذه التّشكيكات بالتّأكيد ليسوا أشخاصًا عاديّين، ولا بدّ أنّهم مرتبطون بأجهزة استخبارات أجنبيّة، ولا أقلّ من الشّكّ في ذلك.
وفي مثل هذه الحالات، ينبغي التّصدّي لأمرين اثنين على نحو اللّزوم:
أولًا: يجب أن تُطرح شبهاتهم علميًا وبشكل علنيّ وأن يُجاب عنها، إذ الدّفاع العقلانيّ عن العقائد أمر لازم. أن يكون مثل هذا التّصدّي على أعلى المنابر وعلى الإذاعة والتّلفزيون، فكما تساهم هذه المسائل في بيان المسائل السّياسيّة وهي مساهمة في محلّها، يجب أن تساهم أيضًا في الدّفاع عن عقائد النّاس ومذهب التّشيّع وأن تذاع الإجابات عن هذه الشّبهات المنتشرة. فضلًا عن أنّه يجب على المراكز العلميّة التّصدّي للردّ عن هذه الشّبهات بمختلف الوسائل المتاحة لها.
ثانيًا: يجب تنفيذ العقوبات المقرّرة في الفقه بحقّ المعتدي على عقائدنا ومذهبنا، فالفقه وُضع ليُطبّق في المجتمع، لا ليُقرأ في المدارس ويُناقش على مستوى علميّ بحت وفقط. فإذا كان المرتدّ واجب القتل، يجب تنفيذ هذا الحكم لكي يُمنع تكرار مثل هذه الأمور بما يشكّل رادعًا عن الاسترسال في العدوان؛ يجب أن يعلم المجرمون أن لجريمتهم ثمنًا.
ففي حين أنّ الجاسوس يتخفّى ويضمر تعامله مع العدوّ لأنّه يعلم أنّ لعمله ثمنًا باهظًا يرتبط بحياته، ترى المروّج للعقائد الفاسدة يمارس باطله بلا أيّ خوف أو ترقّب للعقوبة؟
لقد تأثّرتُ جدًا من هذه القضية، وكذلك من عدم الغيرة تجاهها، أفلا تكون غيرتنا على ديننا كغيرتنا على قضايانا السّياسيّة؟ أليست سياستنا عين ديانتنا؟ أليست قيمة السّياسة والعمل السّياسيّ ناشئة من الدّين وقيمة الدّين؟ أليست غيرتنا السّياسيّة نابعة عن غيرتنا الدّينيّة؟
وقد أرسلتُ اللّيلة الماضية رسالة إلى بعض مسؤولي الحوزة، لكن لا أدري هل سيكون لها أثر أم لا؛ وإلى الله المشتكى.
...............................................................................................................................................
وصل الكلام إلى مسألة القطع، وقد ذكر الشّيخ الآخوند ثلاثة أحكام للقطع:
- الأوّل: حكم العقل بوجوب متابعة القطع وترتيب آثار المقطوع به ووجوب التّحرّك جزمًا على أساسه.
- الثّاني: كون القطع موجبًا لتنجّز الواقع حيث كان متعلّقه حكمًا إلزاميًّا (كالوجوب والحرمة وتوابعهما من الأحكام الوضعيّة) على فرض الإصابة؛
- الثّالث: كون القطع موجبًا للمعذّريّة على فرض عدم إصابة الواقع حيث كان القطع ناشئًا عن قصور، وإلّا حيث كان القطع ناشئًا عن تقصير فلا معذّريّة.
وبحسب الشّيخ الآخوند، فإنّ صريح الوجدان شاهد على ترتّب هذه الأحكام على القطع، فلا حاجة إلى إقامة البرهان.
ثمّ بيّن شأن هذه الأحكام من أنّها ليست جعليّة ولا اعتباريّة لا من جهة العقلاء ولا المولى بل هي ذاتيّة للقطع، كالزّوجيّة بالنّسبة للأربعة.
ولكون هذه الأحكام ذاتيّة بالنّسبة للقطع، فهي غير قابلة للرّفع والسّلب، وبالتّالي لا يمكن أن يرخّص المولى في مخالفة القطع ولا جعله غير منجّز ولا أن يسلب عنه المعذّريّة. إذ ثبوتها للقطع بالتّكوين كما أشار المحقّق النّائينيّ، ومن المعلوم أنّ دائرة تدخّل المولى من حيث هو مولى تقتصر على التّشريع دون التّكوين، فحيث كان تشريعه عين تكوينه لم يمكن التّدخّل، على خلاف ما لو كان تكوين الشّيء مختلفًا عن تشريعه؛ فسلب الحجّيّة عن القطع كسلب الزّوجيّة عن الأربعة.
ومن هنا، يقال إنّها مجعولة بالجعل البسيط (مفاد كان التّامّة) لا بالجعل التّأليفيّ (مفاد كان النّاقصة)، أي إنّ جعل هذه اللّوازم للقطع هو بنفس جعل القطع، وليس من قبيل جعل شيء لشيء؛ وهكذا من جهة السّلب، أي يكون رفعها برفع القطع رأسًا (مفاد ليس التّامّة) ولا يمكن بفكّ اللّازم الذّاتيّ عن ملزومه (مفاد ليس النّاقصة).
وقد استدلّ الشّيخ الآخوند على عدم إمكان السّلب بكون جعل التّرخيص على خلاف القطع يسلتزم في حال إصابة الواقع اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في الواقع، كما يستلزم اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في نظر القاطع واعتقاده في حال عدم إصابة الواقع؛ وهو محال سواء كان ظرفه الواقع أو اعتقاد القاطع، بل يستحيل احتمال الاجتماع أيضًا.
فبعد أن قطع المكلّف بحرمة الخمر وقطع بخمريّة شيء، بحيث كان الخمر موضوع الحرمة لا مقطوع الخمريّة، فلا يمكن للمولى أن يجعل له ترخيصًا فيه مع انحفاظ الحرمة، وإلّا لكان مستلزمًا لاجتماع الضّدّين في الواقع في حال الإصابة، حيث يجتمع التّرخيص مع الحرمة، ومستلزمًا لاجتماع الضّدّين في اعتقاد القاطع إذا كان غير مطابق للواقع، فالقاطع يرى قطعه مطابقًا للواقع على كلّ حال، وكما أنّه لا يعقل اجتماع الضّدّين في الواقع كذا لا يعقل الاعتقاد باجتماعهما؛ وبتعبير آخر: إنّه لقطعه بامتناع اجتماع الضّدّين لا يمكن أن يقطع أيضًا باجتماعهما.
ولا يقال بعدم جريان هذا الوجه لكون الأحكام اعتباريّة، إذ اعتباريّتها لا تخرجها عن الوجود والواقعيّة.
ومن هنا يتأتّى البحث عن كيفيّة الجمع بين جعل الحكم الظّاهريّ والحكم الواقعيّ، وردّ الشّبهات المثارة حوله ومنها استلزامه للجمع بين الضّدّين؛ ويأتي الكلام فيها لاحقًا في محلّها.

