حجية القطع
ذهب الشّيخ الآخوند إلى أنّ صريح الوجدان يفيد ذاتيّة الأحكام الثّلاثة للقطع؛ فوجوب متابعة القطع وتنجّزه عند إصابة الواقع ومعذّريّته عند عدم إصابته مع عدم التّقصير في المقدّمات هي من لوازم القطع الذّاتيّة غير القابلة للجعل ولا للرّفع، كالزّوجيّة بالنّسبة للأربعة.
وقد ذكر برهانًا لعدم إمكان سلب الحجّيّة عن القطع؛ مفاده: أنّ جعل حكم على خلاف المقطوع به عند مطابقة القطع للواقع، يستلزم اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في الواقع وهو محال؛ في حين أنّه يستلزم اجتماع الضّدّين أو النّقيضين في اعتقاد القاطع مطلقًا أي سواء طابق الواقع أم لا، وهو محال أيضًا.
وقد استدلّ السّيّد الصّدر على عدم إمكانيّة الرّدع عن العمل بالقطع بأنّ التّرخيص في مخالفة القطع يعدّ نقضًا لغرض أصل جعل الحكم، وهو محال.
هذا، ويستفاد من كلام السّيّد الصّدر كون حجّيّة القطع ذاتيّة لكنّها تعليقيّة وليست تنجيزيّة، بمعنى أنّ ذات القطع تقتضي الحجّيّة لكنّها ليست علّة تامّة لها، فهي ثابتة للقطع ما لم يكن هناك مانع؛ وهذا نظير الحسن والقبح الاقتضائيّين في الصّدق والكذب. نعم، هو لم يصرّح بهذه التّعليقيّة، لكنّها تفهم من كلامه، وهو ما فهمه مقرّره، ولذلك أضاف تكملة لهذه الفكرة.
فالسّيّد الصّدر لا ينكر ذاتيّة هذه الأحكام للقطع، ولكنّها معلّقة على عدم ورود ترخيص من قبل المولى، بحيث إذا رخّص المولى كانت مخالفة القطع جائزة؛ ولكنّه لا يلازم القول بالتّعليقيّة القول بإمكان التّرخيص، فتلك مسألة أخرى.
إذ قد ذهب السّيّد الصّدر إلى أنّ التّرخيص المتصوّر هنا هو من سنخ الحكم الظّاهريّ وهو غير ممكن في المقام؛ وذلك لأنّ جواز جعل حكم ظاهريّ هو بملاك الطّريقيّة، وليس القول بعدم التّنافي بين الحكم الظّاهريّ والحكم الواقعيّ سواء من جهة اختلاف الرّتبة أو من جهة التّزاحم الحفظيّ إلّا بملاك الطّريقيّة؛ والحال أنّ القاطع بما هو قاطع يرى نفسه في وسط الواقع، ولا معنى لإيجاد طريق له للوصول إلى الواقع، وبالتّالي لا معنى للحكم الظّاهريّ في حقّه.
إذن، لا موضوع للطّريقيّة في حقّ القاطع بالقطع التّفصيليّ، وكذا لا معنى لتصحيح جعل الحكم الظّاهريّ في حقّه بملاك آخر.
وقد ذكر مقرّر بحث السّيّد الصّدر أنّه قد يقال بوجود تزاحم حفظيّ لدى المولى حتّى في مورد القطع، بحيث يمكن للمولى أن يرخّص في مخالفة القطع بنفس نكتة الطّريقيّة.
وقد كان أشار شيخنا الأستاذ في الدّورة السّابقة إلى كون رأيه المختار أنّ الحجّيّة ذاتيّة للقطع بنحو مطلق، لكنّه يرى الآن أنّه لا بدّ من التّفصيل بين المولى الحقيقيّ وغيره، فالتّرخيص بالمخالفة غير ممكنة بالنّسبة للمولى الحقيقيّ لكنّها ممكنة بالنّسبة إلى المولى العرفيّ.
فجعل الحكم الظّاهريّ يكون بملاك الطّريقيّة، وإذا كان القاطع يرى نفسه واصلًا إلى الواقع، فهو يعتقد بأنّ الله تعالى يعلم الواقع الّذي يراه القاطع واقعًا، فلا يمكن الكلام عن طريقيّة.
وبالخلاصة، القاطع يرى نفسه واصلًا إلى الواقع ومصيبًا له ولا يمكن أن يحتمل تخطئته من قبل الله تعالى، بل لأنّ الله عالم فهو يعلم ما يعلمه القاطع، فلا يمكن أن يجعل الشّارع حكمًا على خلاف قطعه لانتفاء موضوع الطّريقيّة.
لكنّ الأمر ليس كذلك في المولى العرفيّ، لأنّ جعوله مشوبة بالجهل، فيمكن أن يتصوّر القاطع أن يتوجّه إليه المولى العرفيّ بخطاب يردعه فيه عن العمل بقطعه لاعتقاده الخاطئ بأنّه غير مصيب للواقع. وعلم القاطع بكون المولى العرفيّ مخطئًا لا يشكّل مانعًا عن أن يجعل المولى حكمًا على خلاف ما يراه القاطع هو الواقع. وبالنّتيجة يتأتّى ملاك الطّريقيّة هنا ويمكن للمولى العرفيّ أن يردع عن القطع.
النّكتة الأساس الّتي يختلف فيها المولى الحقيقيّ عن المولى العرفيّ هي العصمة، أي لأنّ الله تعالى معصوم علمه عن الخطأ، فلا يمكن للقاطع أن يحتمل كونه تعالى مخطئًا، فلا يبقى مجال لتحقّق ملاك الطّريقيّة.
أمّا في مورد غيره تعالى، فيحتمل الخطأ، وبنظر القاطع يمكن أن يشتبه، فيتحقّق ملاك الطّريقيّة ولو لم يكن قادرًا على التّصريح بها. فالطّريقيّة حيثيّة تعليليّة لا تقييديّة، وهو وإن كان لا وجود لملاك الحكم الطّريقيّ بنظر القاطع ومن جهته، لكنّه يرى أنّه ولعدم عصمة المولى يمكن أن يتحقّق هذا الملاك في نظره.
وكيف كان، حجّيّة القطع ذاتيّة ولا يمكن إلزام القاطع بحكم على خلاف قطعه.
ولا يمكن للأعذار الواهية أن تبرّر مخالفة القطع، وهي لا تجعل التّرخيص بها ممكنًا. فمن يؤمن بولاية أمير المؤمنين عليه السّلام ولديه قطع بها، لا يمكنه أن يتبرّأ منه عليه السّلام. نعم، قد يُكرَه على الشّتم أو إظهار البراءة منه، لكن هذا كلّه لا يؤثّر على القطع. كما أنّ التّقيّة تتعلّق بالأعمال الظّاهريّة، ولا علاقة لها بالاعتقاد، هي ترفع الحكم فقط بمقدار ما تقتضيه الضّرورة، لا أكثر.
وبالمناسبة نقول: لا يحقّ للمرتدّ أن يُظهر تردّده أو شكّه، وإذا فعل ذلك وجب قتله؛ ولذلك جاء في الرواية أنّه إذا قال مسلم: أنا أشكّ في نبوة النّبيّ، أو حتى أقسم بأنّه شاكّ لم يُقبل منه ذلك، ووجب قتله. فوجود الشّكّ ليس عذرًا لإظهاره، ومن يشكّ عليه أن يعمل على رفع شكّه.
ولا يعدّ عذرًا صحيحًا شرعًا قول المرء لم أكن مهتمًّا بإمامة الإمام الجواد عليه السّلام أو بإمامة الإمام الصّادق عليه السّلام ولذا لم أتتبّع المسألة، فمن مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهليّة.
بل حتّى لو كان معذورًا في عدم حصول القطع له وعدم حلّ الشّبهة، لكن لا يحقّ له أن يظهر ذلك.
وما يقال من استهزاء من قبل البعض بحكم الارتداد، هو في الحقيقة استهزاء بحكم محلّ إجماع جميع الأديان لا الإسلام فقط.
فمن حصل له شكّ أو تردّد لم يحقّ له أن يظهره وإلّا وجب قتله، إذ إظهاره سبب للفتنة في المجتمع الإسلاميّ ولتزلزل عقائد المؤمنين.
وكما قلت بالأمس: الشخص الذي كان شيعيًا ثم يشك في إمامة الأئمة عليهم السلام، فهو مرتدّ ويجب قتله، وإن كان الشخص من البداية غير شيعي، فإنّ شكّه، بل حتّى إنكاره لإمامة الأئمّة عليهم السّلام، لا يوجب ارتداده.
لقد ذكرنا أن إنكار إمامة الأئمّة عليهم السّلام هو إنكار لضروريّات المذهب، بل بحسب تعبير صاحب الجواهر، هو إنكار لضروريّات الدّين، لأنّ الدّين بالنّسبة لكلّ شخص هو المذهب الّذي اعتمده وقبله.
وقد أوضحنا في مكانه أنّ إنكار الضّروريّ ليس له موضوعيّة في ذاته، لكن بما أنّه يستلزم تكذيب النّبيّ، فهو يوجب الكفر. لذلك، ما هو مهمّ هو إنكار المعلوم، لأنّه يستلزم تكذيب الرّسول، ولهذا صرّح كلّ من السّيّد الإمام (كتاب الطهارة، ج ٣، ص ٤٤٦) والسّيّد الخوئيّ (فقه الشيعة، ج ٣، ص ١٥٥) بأنّ كل من حضر في غدير خم، وسمع كلام النّبيّ ثمّ أنكر ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام فهو كافر.
الفرق الوحيد بين الضّروريّات وغير الضّروريّات هو أنّه في الأولى لا يُسمع لادّعاء الشّبهة، على خلافه في غيرها. ولهذا قيل: المسلم الّذي ينكر حرمة الخمر، يجب قتله، إلّا إذا كان حديث دخول في الإسلام. وفي هذه النّقطة لا يوجد فرق بين ضروريّ الدّين بالنّسبة لأهل الدّين وبين ضروريّ المذهب بالنّسبة لأهل المذهب، ففي كلتا الحالتين لا يُقبل ادّعاء الشّبهة. وبالتّالي، الشّيعيّ إذا أنكر ولاية أمير المؤمنين عليه السّلام فهو مرتدّ.
وما ذكرناه ليس حكمًا قضائيًّا، بل هو بيان حكم شرعيّ، وهو من الأمور الواضحة عند الفقهاء.
وقد بيّن صاحب الجواهر في شرح كلام المحقّق ما يلي:
"و كذا من قال: لا أدري محمد بن عبد الله (ص) صادق أو لا و كان على ظاهر الإسلام بلا خلاف أجده فيه أيضا لقول الصّادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان المروي عن المحاسن "من شك في الله و في رسوله فهو كافر".
و قال له (عليه السلام) الحارث أيضًا: "أ رأيت لو أن رجلا أتى إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: و الله ما أدري أ نبي أنت أم لا كان يقبل منه؟ قال: لا، و لكن كان يقتله، إنّه لو قبل منه ذلك ما أسلم منافق".
لكن في المسالك الاستدلال عليهما بالعلم بانتفاء دعوى الأول من دين الإسلام ضرورة فيكون ذلك ارتدادا من المسلم و خروجا من الملل التي تقر أهلها، فيقتل لذلك، و أما الشك في صدق النبي (صلى الله عليه و آله) فان وقع من المسلم فهو ارتداد، و تبعه على ذلك الأردبيلي.
و فيه أن مقتضى ذلك جريان حكم المرتد عليهما لا القتل مطلقا كما هو ظاهر النص و الفتوى. نعم لو وقع الشك المزبور من الكافر لا يقتل به، و لعله لذا قيد الحكم بوقوعه ممن كان على ظاهر الإسلام.
و قد يلحق مدعي الإمامة بمدعي النبوة، و كذا من شك فيه و كان على ظاهر التشيع كي يكون بذلك منكرا لضرورة الدين بعد أن كان عنده من الدين هو ما عليه من المذهب، فهو حينئذ كمن أنكر المتعة ممن كان على مذهب التشيع، و في جملة من النصوص «أن الشاك في علي كافر» و لكن الانصاف بعد ذلك كله عدم خلو الحكم المزبور من إشكال، و يجري الكلام في من أنكر أحد الأئمة (عليهم السلام) من أهل التشيع، و الله العالم".
ولا يبعد أن يكون مقصود صاحب الجواهر من قوله: "ولكن الإنصاف بعد ذلك كله عدم خلوّ الحكم المزبور من إشكال" أنّ المحقّق قد ذهب إلى وجوب قتله، بينما ذهب الشّهيد الثّاني والمحقّق الأردبيليّ إلى كونه مرتدًّا. ووجوب القتل يعني عدم قبول توبته، في حين أنّه لا يترتّب ذلك على الارتداد دائمًا، فعلى بعض الفروض تقبل توبته؛ ولذلك شكّك صاحب الجواهر في وجوب القتل.
ولا يوجد أيّ محذور في وجوب قتل المرتدّ، إذ يكون لأجل دفع الفتنة؛ إذ لا ضرورة لأن يعلن الشّاكّ المتردّد تردّده للنّاس فيحدث ترديدًا وشبهة في عقائد المؤمنين، ومن هنا إذا أظهر ذلك يكون مرتدًّا وتترتّب عليه جميع أحكام الارتداد.

