التجري
الكلام بحسب المحقّق الآخوند هو في استحقاق العقوبة على التّجرّي وفي استحقاق الثّواب على الانقياد. ومعنى التّجرّي عنده هو مخالفة القطع غير المصيب للواقع المتعلّق بحكم إلزاميّ؛ والحقّ عدم انحصار بحث التّجرّي في موارد القطع. والكلام نفسه يأتي في الانقياد حيث يكون أعمّ من موافقة القطع غير المصيب ومن موافقة الاحتمال المنجّز، بل لا يختصّ باحتمال وجود تكليف منجّز أيضًا.
ذهب الشّيخ الآخوند إلى كون الوجدان الصّريح حاكم باستحقاق العقاب في موارد التّجرّي كما في موارد العصيان، لأنّه وإن لم تتحقّق المعصية من المكلّف، لكنّه بتجرّيه قد هتك حرمة المولى وطغى عليه، وهتك حرمة المولى موجب لاستحقاق العقاب عند العقل.
وهذا الاستحقاق بالفعل بحيث لا يحتاج إلى جعل من قبل الشّارع، أي البحث هنا بقطع النّظر عن جعل الشّارع لحرمة التّجرّي، بل من جهة حكم العقل باستحقاق العقوبة كما في مورد العصيان. وهذا يقع في مقابل ما يحتاج إلى اعتبار الشارع للتّجرّي فيحكم باستحقاق العقاب.
وليس ملاك استحقاق العقاب في موارد المعصية إلّا هتك المولى، فلا أثر لتحقّق أو عدم تحقّق المخالفة فعلًا في استحقاق العقاب. نعم، لا يكفي مجرّد خبث الباطن وسوء السّريرة ما دام صفة نفسانيّة لم تؤثّر على مستوى الجري العمليّ للحكم باستحقاق العقاب، بل لا يستحقّ إلّا اللّوم والذّمّ؛ ومن هنا تعلم أنّ صريح الوجدان حاكم بعدم استحقاق العقاب على الصّفات النّفسانيّة.
وتوضيحه: إنّه لا معنى لاستحقاق العقاب إلّا على الأفعال الاختياريّة للمكلّف، وليست الصّفات النّفسانيّة بأفعال بل هي مجرّد انفعالات. فما دامت الصّفة الخبيثة كامنة في النّفس لا استحقاق للعقاب؛ وعطفًا على المذكور، لا استحقاق للعقاب على الأفعال غير الاختياريّة. لكن متى خرجت الصّفة إلى مرحلة الفعل استحقّ الفاعل العقاب.
نعم، الصّفات القبيحة تستدعي الذّمّ واللّوم والصّفات الحسنة تستدعي المدح، لا العقاب ولا الثّواب، لاختصاص حكم العقل باستحقاقهما على الأفعال الاختياريّة لا الصّفات النّفسانيّة.
وعلّق شيخنا الأستاذ بأنّ ما ذكره الشّيخ الآخوند من عدم استحقاق العقاب والثّواب على الصّفات النّفسانيّة يقصد منه عدم فعليّة ذلك بحكم العقل، لا أنّه لا يُعقل جعل ثواب وعقاب عليها من قبل الشّارع، وإلّا لما استحقّ صاحبها حتّى المدح والذّمّ عليها، إذ لا يكون المدح والذّمّ إلّا على أمر اختياريّ أيضًا.
إذن، لا يحكم العقل باستحقاق العقاب ولا باستحقاق الثّواب على الصّفات القبيحة والصّفات الحسنة، ولم يجعل الشّارع لها عقابًا ولا ثوابًا، وإن كانت حائزة كصفات على ملاك حكم العقل والعقلاء باستحقاق الذّمّ والمدح، وبهذا الملاك يمكن للشّارع أن يقرّر عقابًا وثوابًا عليها. فالبخل مثلًا يكون موضوعًا لاستحقاق الذّمّ عليه ما دام صفة نفسانيّة من دون كونه موضوعًا لاستحقاق العقاب، لكن متى صار باعثًا على المنع عن الزّكاة مثلًا صار موضوعًا لاستحقاق العقاب من حيث إنّه فعل.
ومن هنا يتبيّن أنّ مقصوده من الصّفات الّتي يستحقّ عليها المرء المدح والذّم هي الصّفات الّتي ترجع إلى فعل اختياريّ ما، كما لو لم يعمل المرء على إزالة صفة قبيحة في نفسه، وإلّا فإن لم ترجع إلى أمر اختياريّ لم تكن موضوعًا لاستحقاق الذّمّ مثلًا كما أنّها لا تكون موضوعًا لاستحقاق العقاب.
إلّا أن لا يكون مقصوده من الذّمّ ما يحمل معنى المطالبة والمعاتبة الّذي نستظهره من معناه، بل يكون مقصوده الذّمّ الّذي يكون بمعنى التّوصيف وبيان التّنفّر منه كوصف الأشياء من شكل ولون وجمال وبشاعة وما شاكل، وأنّ بعضها يسوؤه وبعضها يرغب فيه.
وبالخلاصة، يحكم العقل في موارد التّجرّي بحسب المحقّق الآخوند باستحقاق العقوبة بالفعل بمعنى أنّه لا يلزم أن يتدخّل الشّارع للحكم بالمنع ليحكم العقل أي لا يحتاج العقل إلى أن يؤمّن الشّارع له موضوع الحكم بالاستحقاق. ولكن ما دام المرء لم يفعل وبقي الخبث في باطنه كصفة نفسانيّة من دون مبرز عمليّ، لا يحكم العقل عليها باستحقاق العقاب بل باستحقاق الذّمّ لا غير، إلّا أن يكون الشّارع قد ألزم بإزالة تلك الصّفة من النّفس أو منع عن إيجادها، فهنا يكون إبقاؤها أو إيجادها موضوعًا لاستحقاق العقاب.
بعد ذلك، يبيّن المحقّق الآخوند أنّ استحقاق العقاب لا يكون بمعنى أنّ يصير الفعل المتجرّى به قبيحًا بل يبقى الفعل على ما هو عليه من الحسن والقبح والوجوب والحرمة والإباحة. فمن اعتقد بكون الماء المعيّن خمرًا فشربه استحقّ العقوبة، لكن من دون أن يصير فعل شرب الماء قبيحًا ولا محرّمًا؛ ومن اعتقد بوجوب صلاة التّراويح استحقّ الثّواب، من دون أن تخرج هذه الصّلاة عن عنوان البدعة ولا عن حكم الحرمة؛ ومن اعتقد أنّ فلانًا كافر مهدور الدّمّ فقتله، في حين أنّه مؤمن محترم النّفس في الواقع يكون معذورًا، بل يكون مستحقًّا للثّواب أيضًا، لكن هذا لا يبدّل واقع حكم عمله وأنّه قتل محرّم ومذموم وقبيح.

