التجري
ذهب الشّيخ الآخوند إلى كون التّجرّي كالمعصية موجبًا لاستحقاق العقاب بصريح الوجدان.
لكن مع ذلك، لا يخرج الفعل المتجرّى به بسبب القطع بحرمته عن واقعه من حيث الحسن والقبح ولا عن حكمه من حيث الحرمة والوجوب وما شاكل. فالقطع بخمريّة مائع لا يخرج ذاك المائع عن إباحته المفترضة إلى الحرمة ولا عن حسنه إلى القبح؛ ولا القطع بعداوة شخص مع كونه في الواقع ابن المولى يخرج قتله عن الحرمة ولا عن القبح.
من هنا وبمناسبة هذا المطلب، بدأ المحقّق الآخوند بالتّنظير لبحث الاختيار حيث ذكر مطلبًا وقع محلًّا للإشكال عليه حتّى من تلامذته حيث لم يتلقّوا مراده، ونسبوا إليه اشتباهًا القول بالجبر، والحال أنّه لا عين ولا أثر لشبهة الجبر في كلامه حتّى لو لم يُلتزم به.
فقد عمد المحقّق الآخوند إلى إثبات كون التّجرّي لا يوجب تغيير حسن أو قبح الفعل المتجرّى به ولا حكمه، وذلك من خلال ثلاثة أدلّة:
الأوّل: ليس القطع من العناوين الثّانويّة المحسّنة أو المقبّحة للفعل. فالقطع لا يجعل الفعل ظلمًا ولا يجعل ما ليس بظلم قبيحًا؛ كما أنّ القطع بكون الفعل عدلًا لا يجعله عدلًا ولا حسنًا؛ ومثله القطع بكون ضرب فلان ظلمًا مع عدم كونه كذلك واقعًا لا يجعل هذا الضّرب قبيحًا واقعًا؛ وكذا لا يجعل القطع بالضّرر الشّيء مضرًّا واقعًا وهكذا.
إذن، لا يبدّل القطع من حيث إنّه عنوان ثانويّ عارض على الفعل، الفعل عن عنوانه الأوّليّ، وما كان في حقيقته عدلًا لا يتغيّر عن كونه عدلًا بالتّخيّل.
فما هو قبيح في نظر العقل هو الظّلم لا ما قطع بكونه ظلمًا، وما هو حسن هو العدل لا ما قطع بكونه عدلًا؛ لأنّ موضوع حكم العقل هو واقع الظّلم وواقع العدل لا المقطوع بكونه ظلمًا أو بكونه عدلًا.
القبيح قبيح لا مقطوع القبح قبيح، بل لا يتعقّل أن يكون القطع مقوّمًا للحسن والقبح، لانّ القطع يتعلّق بما هو قبيح أو حسن من حيث إنّه طريق، ولأنّ أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه محال، وهذا لا فرق فيه بين الحكم العقليّ والحكم الشّرعيّ، إذ القطع طريق على كلّ حال، والحكم على الأشياء يكون بقطع النّظر عن القطع بالحكم بها.
ثانيًا: لا تتعلّق الإرادة بالشّيء بما أنّه مقطوع بل تتعلّق به بذاته بقطع النّظر عن القطع؛ فالإرادة مثلًا تتعلّق بشرب الماء لا بشرب الماء المقطوع بكونه ماء.
ومن هنا، لا يمكن أن يكون للقطع تأثير في الحسن والقبح، لأنّ الحسن والقبح يثبتان للأفعال الاختياريّة، ولا تقع الأفعال غير الاختياريّة موضوعًا للحسن والقبح رأسًا. والحال أنّ الاختيار متوقّف على تعلّق الإرادة، والفرض أنّ الإرادة لا تتعلّق بالقطع ولا بالفعل من حيث إنّه مقطوع به.
ثالثًا: لا يتعلّق التفات الفاعل بكون الفعل مقطوعًا به أي إنّ عنوان كونه مقطوعًا به مغفول عنه، فحيثيّة كون المائع مقطوع الخمريّة ليست موردًا للالتفات، والحال أنّه إذا لم يكن المورد محلًّا للالتفات فلا يمكن أن يكون موضوعًا للحسن والقبح، لأنّ الالتفات شرط تعلّق الإرادة.
وقد ذهب شيخنا الأستاذ إلى صحّة هذا البيان من الشّيخ الآخوند بحيث لا يرد عليه إشكال.
بعد ذلك، أشار الشّيخ الآخوند إلى إشكال، مفاده: أنّه إذا لم يكن الفعل من حيث تعلّق القطع به اختياريًّا، فكيف يستحقّ الشّخص العقاب على فعله غير الاختياريّ؟ فالفعل المتجرّى به غير اختياريّ من حيث عنوانه الذّاتيّ لأنّ المكلّف يقطع بخلافه، وكذا غير اختياريّ من حيث عنوان تعلّق القطع به، لأنّ هذا العنوان لا يقع متعلّقًا للإرادة.
وأجاب عن هذا الإشكال بأنّ العقاب لا يكون على الفعل المتجرّى به بل على عزم الشّخص وقصده.
ثمّ أشكل بأنّ القصد والعزم من مبادئ الإرادة ولا يمكن أن يكونا متعلّقًا للإرادة وإلّا للزم التّسلسل، وحيث إنّ اختياريّة الأفعال تتحصّل بتعلّق الإرادة فليس القصد والعزم باختياريّين، وبالتّالي لا معنى للعقاب على أمر غير اختياريّ.
وأضاف شيخنا الأستاذ أنّه حتّى إذا فرض انتفاء إشكال التّسلسل في الإرادات، إلّا أنّ الوجدان شاهد على عدم تعلّق الإرادة بالإرادة، فهي إرادة واحدة لا أكثر.
وأجاب الشّيخ الآخوند عن هذا الإشكال بجوابين:
الأوّل: أنّه وإن كان القصد والعزم من مبادئ الإرادة إلّا أنّه لا محذور في تعلّق الإرادة ببعض مبادئ الإرادة. نعم، لا يمكن أن تتعلّق الإرادة بالإرادة لكن يمكن أن تتعلّق الإرادة ببعض مبادئ الإرادة.
وليس العزم علّة لتحقّق الفعل، فكثيرًا ما يكون للشّخص عزم على الفعل لكن لا يتحقّق الفعل؛ وهذا على خلاف الإرادة الّتي هي الجزء الأخير من العلّة التّامّة للفعل حيث بحدوثها يحدث الفعل، ولذا لا يمكن أن يكون هناك مانع عن تحقّق الفعل بعد حدوث الإرادة. فالإرادة غير إراديّة أي ليست متعلّقًا للإرادة، لكن مع تحقّق العزم يمكن الحؤول دون تحقّق الفعل، وهذا يشير إلى كون العزم إراديًّا اختياريًّا.
الثّاني: لو فرضنا أنّ العزم لا يكون اختياريًّا ولا متعلّقًا للإرادة، لكن ما يوجب استحقاق العقاب هو البعد عن المولى لا العزم والقصد، وهذا هو موضوع استحقاق العقاب في مورد المعصية أيضًا؛ أي ليست مخالفة المولى هي الموضوع لاستحقاق العقاب بل البعد عن المولى الّذي يحصل إثر مخالفة المولى.
توضيحه:
المعصية لا تكون بالإرادة أيضًا، لأنّ المعصية ليس مجرّد المخالفة بل هي المخالفة العمديّة الاختياريّة، والمخالفة الإراديّة ليست متعلّقًا بنفسها لإرادة أخرى.
فالمخالفة بالإرادة لكنّ المخالفة الإراديّة ليست بإرادة أخرى، والمعصية هي المخالفة الإراديّة لا المخالفة؛ وبتعبير آخر: المعصية متضمّنة للإرادة لا أنّها متعلّق للإرادة.
تتعلّق الإرادة بمخالفة المولى، والمخالفة بضميمة الإرادة تشكّل المعصية. وعليه، فالعاصي لا يريد المعصية بل يريد مخالفة المولى، فالمعصية غير إراديّة.
الإرادة مفروضة في المعصية وإراديّة المعصية تستلزم المعصية، فالمعصية ليست إراديّة وما لم تكن إراديّة فهي ليست قبيحة ولا يمكن أن تكون موضوعًا لاستحقاق العقاب.
ومن هنا تعلم أنّ استحقاق العقاب في مورد المعصية هو بسبب البعد عن المولى النّاشئ من مخالفته عن اختيار وإرادة.
وهذا الكلام من الشّيخ الآخوند لا علاقة له بالجبر، فهو يصرّح بالمخالفة الاختياريّة، وليس مدّعاه إلّا أنّ المخالفة الاختياريّة هي المعصية، وعندها لا يمكن أن تتعلّق بها إرادة أخرى، فالمعصية ليست إراديّة.
وبالتّالي، لا تكون المعصية قبيحة لأنّها ليست إراديّة، وما يوجب استحقاق العقاب هو البعد عن المولى النّاشئ من المخالفة الاختياريّة لا المعصية.

