التجري
ما زال الكلام في بيان مطلب الشّيخ الآخوند في تصوير الاختيار وترتّب العقاب على الفعل الاختياريّ للعبد وملاك استحقاق العقوبة.
ولمّا كان المحقّق الآخوند بصدد تحليل منشأ تحقّق الأفعال الاختياريّة، بعد فراغه عن كون العبد مختارًا، أخذ بتقديم هذا البيان وما فيه من أخذ وردّ.
فذهب إلى أنّ موضوع استحقاق العقاب في مورد التّجرّي هو العزم والقصد على الطّغيان بما هو فعل من أفعال النّفس، إذ كما تقع الأفعال الجوارحيّة الاختياريّة موضوعًا لاستحقاق العقاب فكذا الأفعال الجوانحيّة الباطنيّة بحيث يتحصّل بهذا العزم هتك المولى وتجاوز حدّه، ولا يلزم أن يترتّب عليه فعل حتّى يتحقّق الهتك بالفعل.
ومن هنا ظهر أنّ استحقاق العقاب لا يكون على الفعل المتجرّى به بل على العزم على الفعل، وذلك لأنّ الفعل المتجرّى به لا يخرج عمّا هو عليه في الواقع من الحسن والقبح والوجوب والحرمة والمحبوبيّة والمبغوضيّة بتعلّق القطع به، فالحسن حسن ولو اعتقد الشّخص قبحه وفعله باعتقاد القبح والقبيح قبيح ولو اعتقد الشّخص حسنه وفعله بتخيّل حسنه، فقتل ابن المولى قبيح ولو فعله بتخيّل أنّه عدوّ المولى وقتل عدوّ المولى حسن ولو فعله بتخيّل أنّه ابن المولى.
ثمّ ترقّى الشّيخ الآخوند ورأى أنّ استحقاق العقاب لا هو على الفعل المتجرّى به ولا على العزم على المخالفة بل هو على بعد العبد عن المولى.
وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أنّ الأشبه عدم كون مقصود الشّيخ الآخوند من البعد عن المولى الأثر الحاصل من العزم على المخالفة كما كنّا ذكرنا بل الفعل المتجرّى به بنفسه بُعد عن المولى ومجانبة لطاعته، أي إنّ الفعل الصّادر كشرب الخمر في مورد المعصية أو شرب مقطوع الخمريّة في مورد التّجرّي يكون مصداقًا للبُعد عن المولى، وإلّا فليس شرب الخمر بعنوان أنّه شرب للخمر موضوعًا لاستحقاق العقاب، وذلك لتخلّف استحقاق العقوبة على الشّرب لو كان عن سهو وغفلة أو عن عدم العلم بالخمريّة، كما أنّه ليس عنوان مقطوع الخمريّة موضوعًا لاستحقاق العقاب لعدم دخالة القطع في الجهات المحسّنة والمقبّحة للأفعال بالوجدان والبرهان كما مرّ، لعدم كونه اختياريًّا ولا مورد التفات عند العقلاء.
وهذا يعني أنّ الفعل بعنوانه الأوّليّ ليس منشأ لاستحقاق العقوبة مطلقًا؛ لكن للفعل عنوان آخر وهو أنّه مبعّد عن المولى، لا من حيث إنّ البُعد أثر حاصل عن الفعل المتجرّى به، بل من حيث إنّ الفعل بمعناه المصدريّ الحدوثيّ بُعد عن المولى.
ومن هنا تعرف أنّ حسن أو قبح الفعل المتجرّى به بمعناه الاسم مصدريّ أي النّتيجة والحاصل لا يتغيّر عمّا هو عليه بذاته بعروض القطع عليه، ولكنّ الفعل المتجرّى به بمعناه المصدريّ الحدوثيّ المستند إلى الفاعل من حيث إنّه صارد عنه يكون قبيحًا كما في مورد العصيان.
وهذا المعنى المصدريّ للفعل هو ما يعبّر عنه المحقّق النّائينيّ بالقبح الفاعليّ وإن كان قد لا يتّصف بالقبح الفعليّ؛ فليس المراد من القبح الفاعليّ أنّ الفاعل سيّئ السّرير خبيث النّفس بل المراد أنّ الفعل الحدوثيّ المستند إلى الفاعل حال الصّدور محكوم بالقبح؛ "ولا ملازمة بين القبح الفاعليّ والقبح الفعليّ، إذ ربّما يكون الفعل قبيحًا ولكن صدوره عن الفاعل حسن كما في صورة الانقياد، وربّما ينعكس كما في صورة التّجرّي" أي يكون الفعل في نفسه حسنًا ولكن صدوره عن الفاعل قبيح.
إذن، ذات الفعل لا يتّصف إلّا بما هو عليه من الحسن والقبح ولا أثر لقطع المكلّف في تغييره عن واقع حاله، فقتل أمير المؤمنين عليه السّلام قبيح في نفسه ولو اعتقد الفاعل حسنه ووجوبه، أمّا الفعل بمعناه المصدريّ فيتّصف بالقبح إذا كان صادرًا عن تقصير في تحصيل حكمه، وكذا يتّصف بالقبح في مورد المتجرّي بنحو أوضح.
وكيف كان، الفعل المتجرّى به هو هتك لحرمة المولى، فمن اعتقد أنّ هذا المائع خمر والحال أنّه ماء، فأقدم على شربه، اتّصف شربه بمعناه المصدريّ بالقبح لكونه هتكًا لحرمة المولى وبُعد عنه؛ ولا نظر لنا هنا إلى أثر هذا الفعل ممّا ينكثه في القلب من سواد وسوء.
وهذه النّكتة واحدة في مورد التّجرّي وفي مورد العصيان كما ذكرنا.
ولذا، ذهب إلى أنّ المعصية _وهي المخالفة العمديّة_ ليست موضوعًا لاستحقاق العقاب، بل موضوعه هو البُعد عن المولى. وذلك لأنّ ما ينبغي أن يكون موضوعًا لاستحقاق العقاب لا بدّ أن يكون قبيحًا، وما يصحّ تقبيحه من العقل هو ما كان متعلّقًا للإرادة، فهنا ثلاثة احتمالات:
- إمّا أن يكون الموضوع هي ذات المخالفة؛
- وإمّا أن تكون المخالفة العمديّة؛
- وإمّا أن يكون شيء آخر.
ولا يمكن القول بأنّ موضوع استحقاق العقاب هي ذات المخالفة، لأنّها تقع المخالفة أحيانًا من دون استحقاق عقاب كما في موارد الجهل؛ وكذا لا يمكن أن يكون الموضوع هي المخالفة العمديّة لاستلزامه تعلّق الإرادة بالإرادة، إذ يلزم منه التّسلسل؛ فلا يبقى إلّا أن يقال إنّ موضوع استحقاق العقاب هو عنوان آخر غير عنوان المخالفة وهو عنوان المبعّديّة عن المولى، وهو الفعل بما هو مصداق للبُعد عن المولى، أي إنّ المبعّديّة شأن من شؤون هذا الفعل وحيثيّة من حيثيّاته، حيث يكون متعلّقًا للإرادة وبالتّالي موضوعًا للقبح، فيصحّ وقوعه موضوعًا لاستحقاق العقاب.
فإذا تحصّل تعلّق الإرادة بالمبعّد عن المولى، فإنّ هذه الإرادة ناشئة عن نفس الفاعل لخبث باطنه، وهذا لا يعني أنّ الله تعالى قد جبره على ذلك فتأتّى عنه ما تأتّى من أفعال، بل إنّ الله تعالى خلق الاختيار ولم يخلق الفعل الواقع متعلّقًا للاختيار، بل خلق فعله من حيث إنّه قد خلق اختياره. ولذا، لا مجال للجبر، إذ إنّ للفاعل الاختيار فيمكنه أن يفعل أو أن لا يفعل.
وقد اختار العبد الفعل المبعّد لخبث باطنه، لكنّ الله تعالى لم يخلق له الخبث بل خلق اختياره للخبث، أي الاختيار المنسوب إليه والّذي نتج عنه الخبث بالاختيار، ولا دخالة لأحد غيره من خارج في صناعة خبثه.
ومن هنا قال تعالى:{ كُلًّا نُمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا}، فليس معنى الإمداد المساعدة بل الخلق والإيجاد بحيث يكون اختيار المعصية وكذا الإطاعة بالمدد الإلهيّ، لكن مع ذلك معصية العاصي وإطاعة المطيع من باب الاختيار من دون جبر على المعصية ولا على الطّاعة.
وممّا مرّ تحصّل أنّ مراد المحقّق الآخوند من ذاتيّ العبد هو أنّ الفعل ينشأ من ذات العبد لا أنّ الله تعالى جعل له تلك الذّات بحيث جبره على الفعل.
وهذا حال مختلف الدّواعي للمعصية من أنّها لا تجعل العبد مجبورًا على المعصية، فالشّيطان مثلًا يدعو لكنّ دعوته لا تنتهي إلى الجبر، إذ جاء في الكتاب العزيز:{وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ۖ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ}، فأنتم استجبتم والفعل منسوب إليكم واللّوم عليكم والمستحقّ للعقاب أنتم.
وبالنّتيجة، خلق الله تعالى الاختيار ولم يجعل الاختيار اختيارًا وخلق المشمشة ولم يجعلها مشمشة؛ أمّا السّؤال ب لِمَ الاختيار اختيار والمشمشة مشمشة فلا مجال له، لأنّ الذّاتيّ لا يعلّل بما وراء الذّات ولكنّه يعلّل بالذّات، فالشّيء هو هو والماهيّة هي هي بل من حيث هي ليست إلّا هي؛ فتنبّه وتدبّر والله وليّ التّوفيق.
بعد ذلك، عمل شيخنا الأستاذ على بيان تنظيرات في بعض الأمور الاعتباريّة وكذا في التّكوينيّة الّتي من شأنها أن تبيّن معقوليّة بل وقوع الطّوليّة في موارد متعدّدة على النّحو الّذي بيّنّاه في إرادته تعالى بالنّسبة لأفعال العبد الصّادرة بواسطة اختياره:
ومنها: بناءً على القول بأنّ العبد يملك، فإنّ المولى يملك ما يملكه العبد، وتقع ملكيّته في طول ملكيّة العبد من دون أن يقع أيّ منافاة في المقام، بحيث يكون المولى مالكًا بنكتة أنّ العبد مالك؛ وهذا لا يتأتّى عليه المحذور الوارد على الملكيّة العرضيّة المتعدّدة لتمام الشّيء؛ وما نحن فيه من هذا القبيل.

