التجري
ذهب المحقّق الآخوند إلى أنّ موضوع استحقاق العقاب واحد سواء في مورد المعصية أو في مورد التّجرّي، وهو البُعد الحاصل عن المولى بحيث ينطبق هذا البُعد على الفعل الاختياريّ سواء كان فعل القلب أو فعل الجوارح. فليس الموضوع هو الفعل المتجرّى به من حيث إنّه فعل بالمعنى الاسم مصدريّ ولا هو المعصية من حيث إنّها مخالفة للواقع.
وهذا البُعد ينشأ من سوء باطن المكلّف نفسه، لكن هذا لا يعني أنّ الله تعالى قد خلق له سوء ذاته بنحو الجعل التّأليفيّ بل هو خلقه وجعل الاختيار ذاتيًّا له فهو يريد السّوء بنفسه ويستند الفعل إليه، مع عدم خروج إرادته عن إرادة الله تعالى الّتي تعلّقت بخلق الشّخص المختار ومَدّته بالإيجاد لما يريد من فعلٍ حسن أو قبيح.
وطالما أنّ الفعل يتعلّل بإرادة المرء، والإرادة تتولّد عن ذات الفاعل الّذي جُعل الاختيار ذاتيًّا له، فينقطع السّؤال عنده، بحيث لا يسأل عمّا وراء ذاته، وينتفي السّؤال ب "لِمَ" إذ يصير من قبيل السّؤال لِمَ الإنسان إنسان؟ ولِم النّاطق ناطق؟ وهكذا ممّا لا يعلّل بما وراء الذّات. ولا يُتوهّم نفي إمكان الوجود وفقره، إذ وجوده ممكن قائم بالغير، بل مصبّ الكلام على الماهيّة الّتي هي هي لأنّها هي.
وكما ترى، لا علاقة لما ذكر بكون الإنسان مجبورًا على الفعل لا من قريب ولا من بعيد، بل الكلام كلّ الكلام في تحليل الاختياريّة عند الإنسان.
وقد تعرّض المحقّق الآخوند لهذا البحث في بحث الطّلب والإرادة وعمد إلى تفسير ما جاء في الخبر من أنّ السّعيد سعيد في بطن أمّه والشّقيّ شقيّ في بطن أمّه.
فقد يُتوهّم أنّ المراد من هذه العبارة أنّ الله تعالى قد خلق السّعادة للمرء في بطن أمّه وكذا خلق له الشّقاوة، وهو قول بالجبر؛ لكنّه مردود بأنّ المراد منها أنّ الله تعالى خلق السّعيد ولم يخلق له السّعادة بنجو الجعل التّأليفيّ، أي إنّه سعيد بذاته لا بجبره على الكون سعيدًا. وهذا لا يضرّ بكون الله تعالى عالمًا بما سيؤول إليه من اختيارات وأعمال، فأطلق عليه ما سيكون عليه بالاختيار.
نعم، هذا شيء، وتأييده من الله تعالى وفق نظام العلل والأسباب شيء آخر حيث يقول تعالى {وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ هُدٗىۗ وَٱلۡبَٰقِيَٰتُ ٱلصَّٰلِحَٰتُ خَيۡرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابٗا وَخَيۡرٞ مَّرَدًّا} {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} ، ويقول أيضًا: {فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا} {وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى} ، {وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ} ، {هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ} . هذا، وفي المقابل يقول تعالى:{خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ ۖ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} ، {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَهُمُ ٱللَّهُ مَرَضٗاۖ } ، {وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ } ، {وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا} ، {وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم مَّآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ طُغۡيَٰنٗا وَكُفۡرٗاۚ} وما شاكل من هذه المضامين.
ولا شيء من هذه الآيات أو المضامين الشّرعيّة يشير إلى كون الله تعالى خالقًا للكافر كافرًا ولا للمؤمن مؤمنًا، بل خلقه مختارًا والاختيار على عهدته ومختاره منسوب إليه حصرًا، فلذا يلام ويعاقب ويطالب.
ثمّ يشكل في نفس المطلب أن إذا كان السّعيد سعيدًا في بطن أمّه والشّقي كذلك فما هي فائدة بعث الرّسل وإنزال الكتب؟ ويجيب عنه بأنّه لا بدّ أن يظهر صلاح الصّالحين على وفق الهداية الإلهيّة، أي لا بدّ من أن يُظهر لهم الحسن حتّى يتّبعه الصّالحون وأن يظهر لهم السّوء حتّى يجتنبوه. وفي كلّ ذلك المتّبع والمجتنب والفاعل هو الشّخص بنفسه وبإرادته، ولذا {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} أي الشّكر من الفاعل ومستند إليه وكذلك الكفر.
وإلّا لما حسمت الحجّة على العباد، ولقالوا {لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ} ؛ ولو أرسل الرّسل وأنزل الكتب وكان الإنسان مجبورًا على الكفر لما كان لله تعالى عليه حجّة.
وتكميلًا لما ذكره المحقّق الآخوند لا بدّ من التّذكير بكون الهداية الإلهيّة تارة تكون عامّة وأخرى خاصّة كما أفادت النّصوص، ومنها الآيات الّتي سلف ذكرها.
جاء في عبارة المحقّق الآخوند في بحث الطلب والإرادة في الجزء الأوّل من الكفاية:
"إن قلت: إذا كان الكفر والعصيان والإطاعة والإيمان بإرادته - تعالى - الّتي لا تكاد تتخلّف عن المراد، فلا يصحّ أن يتعلّق بها التكليف؛ لكونها خارجةً عن الاختيار المعتبر فيه عقلاً.
قلت: إنّما يخرج بذلك عن الاختيار لو لم يكن تعلّق الإرادة بها مسبوقاً بمقدّماتها الاختياريّة، وإلّا فلا بدّ من صدورها بالاختيار، وإلّا لزم تخلّف إرادته عن مراده، تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً.
إن قلت: إنّ الكفر والعصيان - من الكافر والعاصي - ولو كانا مسبوقين بإرادتهما، إلّا أنّهما منتهيان إلى ما لا بالاختيار، كيف؟ وقد سبقتهما الإرادةُ الأزليّة والمشيّة الإلهيّة، ومعه كيف تصحّ المؤاخذة على ما يكون بالأخرة بلا اختيار؟
قلت: العقابُ إنّما يتبع الكفر والعصيان التابعين للاختيار، الناشئ عن مقدّماته، الناشئة عن شقاوتهما الذاتيّة اللازمة لخصوص ذاتهما، فإنّ السعيدَ سعيدٌ في بَطْنِ امّه والشقيَّ شقيٌّ في بَطْنِ امّه، و"الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة"- كما في الخبر-، والذاتيّ لا يعلّل، فانقطع سؤال: أنّه لِمَ جُعِلَ السعيد سعيداً والشقيّ شقيّاً؟ فإنّ السعيد سعيدٌ بنفسه والشقيّ شقيٌّ كذلك، وإنّما أوجدهما الله تعالى".
وقال في عبارته في بحث التّجرّي:
"إن قلت: إنّ القصد والعزم إنّما يكون من مبادىء الاختيار، وهي ليست باختيارية، وإلاّ لتسلسل.
قلت: ـ مضافاً إلى أنّ الاختيار وإن لم يكن بالاختيار، إلّا أن بعض مباديه غالباً يكون وجوده بالاختيار، للتّمكّن من عدمه بالتّأمّل فيما يترتّب على ما عزم عليه من تبعة العقوبة واللّوم والمذمّة ـ يمكن أن يقال: إنّ حسن المؤاخذة والعقوبة إنّما يكون من تبعة بُعده عن سيّده بتجريّه عليه، كما كان من تبعته بالعصيان في صورة المصادفة، فكما أنّه يوجب البُعد عنه، كذلك لا غرو في أن يوجب حسن العقوبة، وإن لم يكن باختياره إلّا أنّه بسوء سريرته وخبث باطنه، بحسب نقصانه واقتضاء استعداده ذاتًا وإمكانه، وإذا انتهى الأمر إليه يرتفع الإِشكال وينقطع السؤال ب ( لِمَ ) فإنّ الذّاتيّات ضروريّة الثّبوت للذّات. وبذلك أيضاً ينقطع السّؤال عن أنّه لِم اختار الكافر والعاصي الكفر والعصيان؟ والمطيع والمؤمن الإطاعة والإِيمان؟ فإنّه يساوق السّؤال عن أنّ الحمار لِم يكون ناهقًا؟ والإنسان لِم يكون ناطقًا؟
وبالجملة: تفاوت أفراد الإنسان في القرب منه تعالى والبعد عنه، سبب لاختلافها في استحقاق الجنّة ودرجاتها، والنّار ودركاتها، وموجب لتفاوتها في نيل الشّفاعة وعدم نيلها، وتفاوتها في ذلك بالآخرة يكون ذاتيًّا، والذّاتيّ لا يعلّل".
وعلّق هنا شيخنا الأستاذ ما لفظه:
"فلا يقال لِم جعل الله المشمشة مشمشة، فإنّ الله خلق المشمشة لا أنّه جعلها كذلك، فإنّها مشمشة بذاتها بلا حاجة إلى الخلق، فهي قبل الخلق كذلك [لأنّ المشمشيّة للماهيّة] فإنّ الماهيّة ماهيّة بنفسها لا بوجودها والله موجدها [بالجعل البسيط].
وعليه، فالاختيار بذاته اختيار لا بجعل الاختيار له بجعل تأليفيّ، نعم الله خالق الاختيار، وحيث إنّ الاختيار بذاته اختيار فلا يعقل أن يكون الإنسان بذاته مجبورًا بل هو مختار بذاته، والله خالقه، ككونه حيوانًا ناطقًا.
ولو كان الإنسان مجبورًا فهو مجبور على أن يكون مختارًا".
ثمّ أكمل المحقّق الآخوند الأخذ والرّد في مطلبه؛ وهذه عبارته:
"إن قلت: على هذا، فلا فائدة في بعث الرّسل وإنزال الكتب والوعظ والإنذار.
قلت: ذلك لينتفع به من حسنت سريرته وطابت طينته، لتكمل به نفسه، ويخلص مع ربه أنسه { مَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}، قال الله تبارك وتعالى :{وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} وليكون حجة على من ساءت سريرته وخبثت طينته { لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة} كي لا يكون للنّاس على الله حجة، بل كان له حجّة بالغة".
ثمّ يشير آخر المطاف إلى أنّه لا محذور في أن يقال بترتّب العقاب والثّواب على النّيّة والعزم.
وعلّق شيخنا الأستاذ بأنّ ما أورده من تفسير لكلام المحقّق الآخوند كان على طبق الظّاهر قطعًا، وأنّه لم يعمد إلى تحميل العبارة ما لا تحتمله على مستوى ظهورها، ولا يتأتّى من هذه الكلمات شيء سوى القول باختيار الإنسان، فالعجب كلّ العجب ممّن نسب إليه القول بالجبر خصوصًا من تلامذته وحضّار درسه، إذ هذا جفاء لهذه النّفس الزّكيّة قصورًا، لأنّنا لا نحتمل أن تكون هذه النّسبة عن تقصير وفيها وما فيها والحال أنّ الجبر شرك كما جاء في الرّوايات.
وقد ضمّ شيخنا الأستاذ إلى كلام الشّيخ الآخوند برهانًا قطعيًّا، مفاده: لازم القول بأنّ الإنسان مجبور هو القول بأنّ الله تعالى مجبور أيضًا، وبانتفاء اللّازم ينتفي الملزوم.
بيانه: الله سبحانه وتعالى إمّا أن يكون مجبورًا وإمّا مختارًا بحيث يتمكّن من عدم الفعل وفق إرادته؛
فإن كان مجبورًا لزم من ذلك أن تكون المخلوقات والمعاليل أزليّة كما يدّعي بعض الفلاسفة، معلّلين ذلك باختلاف الرّتبة بينه وبين الخلق بحيث يكون تعالى قديمًا بالذّات والمخلوقات قديمة بالعلّة، وهذا يعني القول بتعدّد القدماء، وهو محال لكونه خلاف النّقل "كان الله ولم يكن معه شيء" وخلاف العقل الصّريح.
وإن كان مختارًا لزم من ذلك أن يكون اختياره بالإرادة، فبأيّ شيء تكون إرادته؟ لماذا أراد الله؟ لأنّه أراد ،
فإن أبيت عن ردّ الإرادة إلى ذاتها، فما برّرت به الإرادة الإلهيّة تبرّر به الإرادة الإنسانيّة بعينها، مع فارق أنّ إرادة الإنسان بعد خلق الله تعالى له.
وبتعبير آخر:
إن كان الله تعالى مختارً فهو مختار بالإرادة، فإمّا أن ينقطع السّؤال عندها في مورده تعالى وكذا ينقطع السّؤال عندها في مورد كلّ مختار، وإمّا أن ترجع إلى علّة أو مناشئ فيبرّر حصولها بها؛ وعلى الحالين يكون الجواب عن اختياريّة الإنسان بما يكون به الجواب عن اختياريّته تعالى.
وكيف كان، جاء في الرّواية الصّحيحة الأعلائيّة: عن محمّد بن يحيى [الأشعريّ القمّيّ]، عن أحمد بن محمّد [بن عيسى] عن أبي نصر [البزنطيّ] قال: قال أبو الحسن الرّضا عليه السّلام قال الله: [يا] ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء، وبقوّتي أدّيت فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي، جعلتك سميعًا بصيرًا قويًّا، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيّئة فمن نفسك، وذاك أنّي أولى بحسناتك منك وأنت أولى بسيّئاتك منّي، وذاك أنّني لا أسأل عمّا أفعل وهم يسألون".

