التجري
تعلّق الإرادة والقصد بالعنوان هو مناط اختياريّة الأفعال والاتّصاف بالحسن والقبح واستحقاق العقاب والثّواب عند الشّيخ الآخوند.
وحيث إنّ الشّخص المتجرّي لا يقصد عنوان مقطوعيّة "كذا" في الفعل، فلا يكون فعله اختياريًّا من هذه الحيثيّة، ولا يغيّر القطع واقع حال الفعل بمعناه الاسم مصدريّ من جهة الحسن والقبح والوجوب والحرمة، فلا تكون هذه الحيثيّة موضوعًا لاستحقاق العقاب ولا الثّواب.
فبحسب الشّيخ الآخوند، في مورد التّجرّي حيث يتعلّق القطع بأمر على خلاف الواقع، لا يكون عنوان مقطوعيّته متعلّقًا للإرادة، لأنّ الفاعل إنّما يريد ويقصد الواقع على ما يتخيّله كواقع الخمر مثلًا لا المقطوع بكونه الواقع بعنوان أنّه كذلك أي المقطوع بكونه خمرًا، وإرادته للواقع تدفعه إلى ارتكاب ما يراه ولو تخيّلًا، لا إرادته للمقطوع بكونه الواقع؛ وهذا صحيح في نفسه إلى هنا.
لكنّ مسار الاشتباه بنظر شيخنا الأستاذ يبدأ من حيث بنى على أنّه بناءً عليه لا يكون الفعل المتجرّى به موضوعًا للقبح والحرمة ولاستحقاق العقاب، لأنّه ليس اختياريًّا لعدم تعلّق الإرادة بعنوان كونه مقطوع الخمريّة؛ مشتبهًا في مناط كون الفعل اختياريًّا.
وليس الاشتباه عنده في كون الفعل اختياريًّا بتعلّق الإرادة به، فهذا مسلّم به، بل فيما فُهم من كلامه من أنّ الإرادة لا بدّ أن تتعلّق بالعنوان ليكون الفعل موضوعًا للحسن والقبح ولاستحقاق العقاب والثّواب.
وقد أشكل المحقّق الحائريّ عليه بعدم صحّة هذا المناط، وأنّ الصّحيح كون المناط هو الالتفات والقدرة. ولا يبعد أن يكون مقصوده من القدرة هو التّمكّن من التّرك بحسب شيخنا الأستاذ بحيث لا يكون مجبورًا على الفعل، وليست بمعنى الاستطاعة؛ فيكون ما ذكره شيخنا الأستاذ من مناط للاختياريّة موافقًا لكلام المحقّق الحائريّ وتوضيحًا له.
وبالتّالي، لا يصحّ عنده ما ذكره المحقّق الآخوند من أنّ الفعل المتجرّى به بما هو مقطوع به لا يكون اختياريًّا ولا يكون قبيحًا ولا محرّمًا، فلا يكون مستحقًّا عليه العقاب، لأنّه ليس متعلّقًا للإرادة بعنوانه، وذلك لأنّه جعل مناط الاختياريّة شيئًا آخر؛ إذ ملاك الاستحقاق والقبح والحرمة هو الالتفات والتّمكّن من التّرك بلا أيّ مدخليّة لقصد العنوان الخاصّ.
وقد ذكر المحقّق الأصفهانيّ نقضًا منقولًا عن المحقّق الحائريّ وأجاب عنه، وكنّا أشرنا إلى وجود نقض ثانٍ في كلمات المحقّق الأصفهانيّ، لكنّ الصّحيح أنّه نقض بحسب السّيّد الصّدر، والحال أنّه عبارة عن إشكال على جوابه في ردّ النّقض الأوّل من باب تتميم البحث نفسه.
ومفاد النّقض الأوّل أنّ لازم كلام المحقّق الآخوند أنّ المرء لو أقدم على شرب الخمر بقصد عنوان التّبريد لا بقصد الإسكار والخمريّة، هو أن لا يكون مستحقًّا للعقاب، لأنّه لم يرتكب الفعل الاختياريّ الحاوي المسبوق بقصد العنوان الخاصّ القبيح، بل قصد عنوانًا آخر لا محذور فيه وهو التّبريد.
وصف المحقّق الأصفهانيّ هذا النّقض بالتّوهّم وردّه بوجهين:
الأوّل: وهو تكرار للدعوى بمعنى أنّه لا يكفي مجرّد الالتفات والقدرة ولا بدّ من ضمّ الإرادة إليهما؛ حيث يقول:
"وأمّا توهّم...فمدفوع بأنّه كلام مجمل؛ فإنّه إن أريد كفاية الالتفات والقدرة في اختياريّة الفعل، ففيه:
- أنّ الفعل الاختياريّ ما صدر عن أركان ثلاثة: شعور وقدرة وإرادة، لا مجرّد الشّعور والقدرة".
قد يقال بأنّه يستشهد في هذا الوجه بالوجدان، بحيث إنّ مقتضاه كون الاختياريّة تتحقّق بالإرادة للعنوان بوضوح وما خلا عنها فهو ليس اختياريًّا؛ لكنّه يقابل بالوجدان والوضوح أيضًا بأنّ شرب الخمر مثلًا حرام بأيّ قصد وقع بلا فرق.
الثّاني: إذا قبل المحقّق الحائريّ أنّه لا بدّ من إرادة محاولًا تصوير إرادة بالتّبع أو بالعرض، بحيث وإن كانت الإرادة قد تعلّقت بالأصالة بشرب الخمر، لكن تنشعب عنها إرادة تبعيّة أو عرضيّة تتعلّق بالجامع، فهو مردود بأنّ الإرادة التّبعيّة لا تكون إلّا بملاك السّببيّة والمسبّبيّة والمقدّميّة وترتّب الشّيء على شيء، وهي مفقودة في هذا المورد، إذ لا معنى للتّبعيّة لعدم كون الإرادة الّتي تعلّقت بشرب الخمر سببًا لترشّح إرادة تتعلّق بالجامع، وبالتّالي تتعلّق بشرب مقطوع الخمريّة من حيث انطباق الجامع المراد عليه.
والكلام في مورد النّقض مختلف عمّا هو عليه في مورد التّجرّي لكون العلقة الواقعة بين الأمرين (التّبريد وشرب الخمر) هي العلّيّة، وليس الأمر فيما نحن فيه، فهو توهّم.
بتعبير آخر: إنّ حصول التّبريد معلول لشرب الخمر، فتنشعب عن إرادة المعلول إرادة للعلّة، لكن في مورد التّجرّي لا ينشعب عن إرادة المرء لشرب الخمر إرادة للجامع تستتبع إرادة لشرب معلوم الخمريّة، فلا إرادة تبعيّة.
إذ قد يقال: بأنّه إذا تعلقّت إرادة الفاعل بشرب الخمر بالأصالة، فقد تعلّقت إرادته بالتّبع بالجامع بين شرب الخمر وشرب مقطوع الخمريّة، وهذه الإرادة كافية لتحقّق اختياريّة الطّرف الآخر أي شرب مقطوع الخمريّة؛
إلّا أنّها إرادة تخيّليّة عرضيّة مجازيّة تسامحيّة لا تبعيّة بحسب المحقّق الأصفهانيّ، لأنّ الإرادة قد تعلّقت فعلًا بالخصوصيّة الّتي ينطبق عليها الجامع، لا بالجامع.
إذن، يأبى المحقّق الأصفهانيّ أن تكون الإرادة قد تعلّقت بالجامع بل إسنادها إلى الجامع مجاز، لأنّ الفاعل قد تعلّقت إرادته بشرب الخمر بحسب واقعه التّخيّليّ وهي لم تقع، ولم تتعلّق إرادته بشرب مقطوع الخمريّة وهي ما وقع، فما أريد لم يقع وما وقع لم يرده.
وببيان آخر: لا يقال إنّها قد تعلّقت بالخمر الواقعيّ الّذي من ضمنه الجامع المنطبق عليه، فإرادة الخمر الواقعيّ إرادة للجامع، والجامع كما ينطبق على الخمر الواقعيّ كذا ينطبق على مقطوع الخمريّة ولو كان تخيّليًّا، فصار الفعل المتجرّى به ذا إرادة من حيث إرادة الجامع المنطبق عليه؛
لأنّنا نقول إنّ في البين إرادة للخصوصيّة فقط، وإذا كانت الإرادة تسري إلى الجامع فهي تسري إلى الجامع الموجود في الخمر الواقعيّ أي في فرده لا الجامع بما هو منطبق على جميع الأفراد والمتحقّق في الجميع، والحال أنّ نسبة الجامع إلى الأفراد نسبة الآباء إلى الأبناء.
ومن هنا قال المحقّق الأصفهانيّ:
" – وإن أريد أنّ الجامع مراد بالعرض أو بالتّبع قياسًا للجامع هنا بالخصوصيّة في المثال المزبور [مثال قصد التّبريد من شرب الخمر، فكأنّ من أراد شرب الخمر قد أراد الجامع كما أنّ من أراد التّبريد أراد علّته أي شرب الخمر]، ففيه:
- أنّ الإرادة التّبعيّة لا توجد إلّا في فعلين مترتّبين كالمقدّمة وذيها، لا كالجامع وخصوصيّته.[فالعلقة بين الجامع والخصوصيّة ليست العلّيّة بل التّلازم].
والإرادة العرضيّة وإن كانت توجد في الجامع وخصوصيّته، إلّا أنّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذّات،
والمفروض أنّ الخصوصيّة الّتي أريدت فنُسبت إلى الحصّة المتحقّقة بها تلك الإرادة بالعرض لم توجد من رأس [فقد أراد شرب الخمر الواقعيّ ولم يقع ذلك]، والخصوصيّة الأخرى [أي شرب مقطوع الخمريّة] لم يتعلّق بها إرادة [لممنوعيّة ذلك] حتّى تنسب [الإرادة العرضيّة] إلى الحصّة الموجودة في ضمنها [الخصوصيّة]، والمفروض أيضًا عدم إرادة الجامع بما هو". [بل الجامع الموجود في ضمن الخصوصيّة الّتي أريدت أي الخمر الواقعيّ المتحقّقة ضمن حصّة شرب الخمر الواقعيّ]
بعد ذلك، يوجّه المحقّق الأصفهانيّ الاختياريّة في المثال الّذي ذكره المحقّق الحائريّ، وأنّه مختلف عن المفروض في مورد التّجرّي حيث هناك تقوم علقة العلّيّة بين التّبريد وشرب الخمر، فتنشعب إرادة تبعيّة لشرب الخمر من الإرادة الأصليّة المتعلّقة بالتّبريد، فتحقّق ركن الإرادة المنضمّ إلى الالتفات والقدرة وبه تمّ موضوع استحقاق العقاب؛ وهذه عبارته:
"و أما الوجه في اختياريّة المثال المذكور، فهو أن الشوق المتعلّق بالتبريد بالمائع قد انبعث عنه شوق إلى مقدّمة التّبريد، فشرب الخمر مراد بتبع إرادة التبريد، و الحرام لا يتفاوت اختياريّته بتفاوت الأغراض الداعية، لا أن شرب المائع البارد متعلّق الإرادة و مجرد الالتفات إلى خمريّته و القدرة على تركه مصحح اختياريّة شرب الخمر، و لا أن الإرادة المتعلّقة بالجامع منسوبة إلى الخصوصيّة الغير المتخلفة عنه بالعرض، فإن الإرادة العرضيّة لا تصحح التكليف، فانّها في الحقيقة ليست إرادة مستقلّة في جنب إرادة الجامع، بل إرادة متعلّقة بالجامع و منسوبة بالعرض و المجاز إلى الخصوصيّة نظير العرض الذاتي و الغريب بل هو هو بالدّقة بل النسبة بين التبريد بالمائع و شرب الخمر نسبة المسبب إلى سببه و الفعل التوليدي بالإضافة إلى ما يتولّد منه، فالتّبريد مشتاق إليه بالأصالة و شرب الخمر المبرّد بالتّبع".
ثمّ طرح المحقّق الأصفهانيّ إشكالًا على بيانه في الرّدّ على النّقض الأوّل تلقّاه السّيّد الصّدر كنقض ثانٍ؛ وهذا نصّه:
"فان قلت: إذا شرب الخمر ملتفتا إلى خمريّته مشتاقا إلى ميعانه فهو مريد للجامع و هو المائع، و الخمريّة غير مرادة و إنما هي ملتفت إليها، و لا إرادة تبعيّة لمكان الاتحاد و إن كان الخاص و الفرد مجرى الفيض بالإضافة إلى العام و الكلّي، و الإرادة العرضيّة غير مصحّحة للتكليف.
قلت: تخصّص الشوق إلى المائع بما هو مائع بخصوص الحصّة المتخصّصة بالخمريّة لا يكون إلا عن شوق بهذه الحصّة بما هي حصة، و لا نعني بالخمر إلا هذه الحصة من المائع.
و قد عرفت أن اختلاف الأغراض لا يوجب التفاوت في إراديّة ما يترتب عليه الغرض".

