التجري
أفاد المحقّق الآخوند أنّ الفعل المتجرّى به لا يتغيّر عن واقع حاله من الحسن والقبح بتعلّق القطع غير المصيب به، بمعنى أنّ القطع ليس من قبيل الحيثيّات التّعليليّة المؤثّرة في الحسن والقبح، بحيث ما كان في نفسه حسنًا لا يصير بالقطع بقبحه قبيحًا ولا يخرج عن عنوانه الأوّليّ، إذ إنّ الحيثيّات العقليّة حيثيّات تقييديّة لا تعليليّة ولو كانت تعليليّة لنفعت في التّغيير؛
ولذا، إذا كان الفعل المتجرّى به حسنًا في نفسه يبقى على حسنه ولا معنى لوقوعه موضوعًا لاستحقاق العقاب؛ وهذا متين دقيق بحسب شيخنا الأستاذ.
ثمّ يكمل الشّيخ الآخوند، ويرى أنّ إرادة المكلّف تتعلّق بالفعل المتجرّى به على ما يتخيّله من الفعل أي بشرب الخمر مثلًا، ولا تتعلّق بشرب الخمر بما أنّه مقطوع الخمريّة أي لا تدخل حيثيّة المقطوع بخمريّته في متعلّق الإرادة، ولأنّها كذلك لا يعقل أن تكون موضوعًا لاستحقاق العقاب، كما أنّه لا يمكن أن تكون موضوعًا للحكم العقليّ بالقبح والحسن.
وأضاف أنّه كثيرًا ما تكون حيثيّة أنّه مقطوع الكذائيّة (كالخمريّة) مغفولًا عنها رأسًا، وما كان مغفولًا عنه لا يمكن أن يكون من قبيل الحيثيّات المحسّنة والمقبّحة، فلا يمكن أن يكون موضوعًا لاستحقاق العقاب.
ومن هنا يرى أنّ الحيثيّة القبيحة في التّجرّي ليست حيثيّة الفعل ولا هو بما هو مقطوع به بل هي حيثيّة هتك المولى والبُعد عنه الّذي يتلبّس به الفعل بواسطة التّجرّي، أي إنّ حيثيّة كونه مصداقًا للهتك هي القبيحة وهي الّتي تقع موضوعًا لاستحقاق العقاب.
ويترتّب عليه أنّ المعصية الّتي تعني المخالفة العمديّة ولأنّها ليست متعلّقًا للإرادة بل الإرادة ضمنها، لا تكون موضوعًا للحكم بالقبح ولا موضوعًا لاستحقاق العقاب.
وعلّق شيخنا الأستاذ بما مفاده أنّ موضوع الحسن والقبح هو المركّب من ركنين: التّمكّن من ترك الفعل مضافًا إليه الالتفات إلى الحكم والموضوع؛ فحيث تحقّق هذان الرّكنان كان الفعل متّصفًا بالحسن أو بالقبح، وبالتّالي كان موضوعًا لاستحقاق العقاب.
وهذا ما لا يراه المحقّق الآخوند كافيًا لاستحقاق العقوبة، بل لا بدّ من قصد المكلّف للأمر الحرام، ولا يكفي الاتيان بفعل لا بقصد الحرام.
ولو دقّقنا في كلامه رحمه الله لوجدنا أنّه يرجع إلى كون قصد الغاية دخيلًا في اتّصاف الفعل بالحسن والقبح واستحقاق العقاب بحسب شيخنا الأستاذ، وهو ما فهمه منه المحقّق الأصفهانيّ، فعمد إلى بيان نقضين على كلام المحقّق الآخوند وحاول ردّهما:
أمّا النّقض الأوّل: إن لازم قول المحقّق الآخوند الرّاجع إلى أخذ قصد الغاية في متعلّق الحكم بالحسن أو القبح وباستحقاق العقاب هو أنّه إذا شرب المرء الخمر مثلًا قاصدًا برودته ورفع العطش به دون قصد إسكاره ونشوته، لم يكن فاعلًا للحرام ولم يكن فعله قبيحًا لعدم تضمّنه لقصد غاية محرّمة ولو وقعت الغاية المحرّمة لا عن قصد. وهذا لازم باطل، فبطل الملزوم أي قول الشّيخ الآخوند.
في حين أنّه على ضابطة شيخنا الأستاذ، المقدِم على شرب الخمر ولو لأجل برودته ورفع العطش به لا لضرورة، وهو يتمكّن من التّرك وهو ملتفت إلى حرمته وإلى انطباق الحرمة على صغرى المائع الّذي عنده، فقد فعل حرامًا وكان فعله قبيحًا، وهو موافق لما تسالم عليه الفقهاء كنتيجة.
ولك أن تسأل: أفهل متعلّق الحرمة هو الإسكار أم الخمر؟ فإن كان الخمر فما معنى أن يشربه متمكّنًا من تركه ملتفتًا إلى حرمته لكن غير قاصد لخمريّته كغاية ولا يكون مرتكبًا للحرام؟ إنّه لا إشكال فقهيًّا في حرمة هذا الفعل ولو لم يقصده لغاية الإسكار.
وقد أجاب المحقّق الأصفهانيّ عن هذا النّقض مع التحفّظ على مبنى المحقّق الآخوند القائل بأنّه لا بدّ من قصد الفعل بما هو قبيح لتتحقّق الحرمة بما مفاده: أنّه مع القول بأنّ الملاك في القبح والحرمة واستحقاق العقاب هو قصد الفعل بعنوانه القبيح، إلّا أنّ تعلّق الإرادة بذي المقدّمة لا ينفكّ عن تعلّق الإرادة بالمقدّمة أي إنّ تعلّق الإرادة بالمعلول لا تنفكّ عن تعلّقها بالعلّة، ولذلك قالوا بوجوب مقدّمة الواجب. إذ لا يمكن أن يتحقّق المعلول من دون علّته، فلا يمكن أن يريد رفع العطش بالخمر من دون أن تتحقّق علّته وهي شرب الخمر، وبالتّالي لا يمكن تعلّق الإرادة برفع العطش به إلّا بتعلّق الإرادة بشرب الخمر، وما كان متعلّقًا للإرادة سواء بالأصالة أو بالتّبع كان محكومًا بالحسن أو بالقبح وكان معقولًا حكمه باستحقاق العقاب.
وبالنّتيجة، تعلّقت إرادة بشرب الخمر ولو من حيث إنّه رافع للعطش، وشرب الخمر حرام، فعدنا إلى الحكم المتسالم عليه.
وعلّق السّيّد الصّدر على جواب المحقّق الأصفهانيّ رادًّا إيّاه بأنّ تعديلًا بسيطًا في المقام يوجب إلزام المحقّق الآخوند بالإشكال: فقد تفصّى المحقّق الأصفهانيّ عن الإشكال ببيان تعلّق إرادة بالعلّة تنشعب عن تعلّق الإرادة بالمعلول، لكن ماذا لو فرضنا أنّ العلقة القائمة بين متعلّق القصد وبين متعلّق الحرمة هي التّلازم، بحيث لا يكون رفع العطش مثلًا معلولًا للفعل الحرام بل ملازمًا له مع فرض المكلّف ملتفتًا إلى الحكم والموضوع متمكّنًا من التّرك؟ إذ إنّه لا ينشعب عن إرادة الملازم إرادة لملازمه كما هو المعروف، لعدم كون وجوب الملازم مثلًا موجبًا لوجوب ملازمه بالضّرورة.
ومثاله ما لو وقع في الخمر حبّة دواء، وطلبها المرء لرفع الدّاء بها، وكان التقامها ملازمًا لإدخال شيء من الخمر إلى الجوف، فهنا ليست إرادة التقام الحبّة بمستدعيّة لإرادة شرب الخمر، إذ لا علّيّة بل استلزام؛ وهذا ينتج على مبنى المحقّق الآخوند أن لا يكون شرب الخمر هنا قبيحًا ولا محرّمًا لا بالأصالة ولا بالتّبعيّة لعدم إرادته بأيّ منهما. والحال أنّ فساد هذه النّتيجة معلوم معروف، فعاد الإشكال وتحكّم النّقض على المحقّق الآخوند.
وجواب السّيّد الصّدر صحيح بحسب شيخنا الأستاذ.

