التجري
كان الكلام في تقرير بيان المحقّق النّائينيّ في مطلب التّجرّي، وقد تعرّضنا للجهة الأولى في كلامه وبقي ثلاث جهات.
أمّا الجهة الثّانية: فهي ناظرة إلى كلام المحقّق الآخوند.
ذهب المحقّق النّائينيّ إلى كون القطع بالشّيء وجهًا من الوجوه المقبّحة والمحسّنة للفعل أي الّتي بطروّها تتغيّر جهة حسن أو قبح الفعل الواقعيّة، على خلاف ما اختاره المحقّق الآخوند من أنّ الفعل لا يتغيّر عمّا هو عليه بعروض القطع عليه، أي إنّ تخيّل خمريّة الماء ليس من جهات التّحسين والتّقبيح لفعل شربه الّتي لا يكون معها الفعل على ما هو عليه بعنوانه الأوّليّ من حيث الحسن والقبح والحرمة والوجوب وما شاكل.
(وعلّق هنا شيخنا الأستاذ بأنّ الحقّ ما ذهب إليه الشّيخ الآخوند، إذ لا يحصل بالقطع حيثيّة مختلفة للفعل عمّا هو عليه في الواقع تستوجب تغيّر واقع حاله، فالقطع بكون الماء خمرًا لا يجعل شربه قبيحًا).
ثمّ يكمل المحقّق النّائينيّ بأنّه يمكن القول بأنّ في مورد التّجرّي قبحًا فاعليًّا لا فعليًّا، بمعنى أنّ القبح الّذي فيه من حيث صدور الفعل عن الفاعل، لكون الفعل بمعناه المصدريّ قبيحًا، من دون أن يكون كذلك بمعناه الاسم مصدريّ.
ثمّ يسأل عن إمكان تأثير القبح الفاعليّ في الخطابات المولويّة ليكون منشأ لخطاب بالتّحريم لتكون مخالفته موضوعًا لاستحقاق العقاب كما أنّ العناوين الأوّليّة الواقعيّة مؤثّرة فيها؛ فهل يؤثّر عنوان مقطوع الخمريّة مثلًا في انقداح خطاب شرعيّ؟
والكلام في هذا التّأثير يقع من حيثيّتين:
الأولى: هل للخطابات الموجودة المتعلّقة بالعناوين الأوّليّة إطلاق، بحيث تشمل موارد القبح الفاعليّ كما تشمل القبح الفعليّ، فتسري إلى مورد القاطع غير المصيب للواقع؟
الثّانية: هل يمكن جعل خطاب شرعيّ خاصّ بالمتجرّي بحيث يتوجّه إليه بعنوانه أي بما هو قاطع بالخمريّة ينهاه عن شرب ما قطع بخمريّته؟
أمّا في الحيثيّة الأولى، فالحقّ عنده أن لا إطلاق يعمّ القبح الفاعليّ بل لا يمكن أن يكون هناك إطلاق يسري إليه، وذلك لكون القطع من العناوين الثّانويّة الّتي تطرأ بعد الجعل وتقع في رتبة امتثال الخطابات المجعولة وعصيانها.
ولك أن تقول إنّ العناوين الثّانويّة لا تقيّد العناوين الأوّليّة ولا تطرأ عليها في مقام الجعل، فلا تكون الخطابات الجارية على العناوين الأوّليّة شاملة للعناوين الثّانويّة، ومع امتناع التّقييد يمتنع الإطلاق أيضًا، لكونهما من قبيل الملكة والعدم. ولا يقبل المحقّق النّائينيّ بما يقوله السّيّد الخوئيّ من أنّ امتناع التّقييد مساوق للإطلاق، ولا بدّ من حمل كلامه على الإطلاق الضّروريّ _لا اللّحاظيّ_ الّذي يعني عدم التّقييد.
وعليه، فالخطاب المتعلّق بالخمر الواقعيّ لا يشمل المائع مقطوع الخمريّة، بل لا يمكن أن يكون شاملًا له لكون القطع من العناوين الثّانويّة الّتي لا إطلاق للأدلّة من جهتها في مقام الجعل، إذ تعرض في مقام الامتثال.
ولذا ترى أنّه قد فرغ في أصل فرض التّجرّي عن وجود خطاب على العنوان الأوّليّ في الرّتبة السّابقة، ثمّ حصل قطع للمكلّف على خلاف الواقع، فتجرّأ على مولاه وأقدم على ما يعتقد بحرمته؛ وهذا معنى تأخّر رتبة عروض القطع على رتبة عروض الخطابات على موضوعاتها الخالية عن العناوين الثّانويّة.
نعم، تحصيل نتيجة الإطلاق أو التقييد على سبيل متمّم الجعل نظير ما في مورد الانقسامات الثّانويّة كأخذ قصد القربة في العبادات.
وكيف كان، لا يمكن التّقييد به من دون متمّم جعل وكذا لا يمكن نفي مدخليّته بالإطلاق اللّحاظيّ، لعدم قابليّة تقييد الخطاب ثبوتًا بالانقسامات والعناوين الثّانويّة، فلا يمكن إثبات حكم الخمر الواقعيّ لمقطوع الخمريّة.
ومن هنا تعرف، أنّ الإطلاق متوقّف على ثبوت متمّم للجعل يدلّ على شمول الخطابات لموارد قطع المكلّف غير المصيب للواقع، وعهدة هذه الدّعوى على مدّعيها.
ولكن من جهة أخرى، يرى المحقّق النّائينيّ أنّ الخطاب يكون مقيّدًا أحيانًا بعدم القبح الفاعليّ من باب اجتماع الأمر والنّهي، فنحن وإنّا كنّا قائلين بجواز الاجتماع لكن مع ذلك نقيّد الصّلاة بلزوم الاتيان بها في المكان المباح، وذلك لأنّه لا تتمشى الصّلاة من دون قصد القربة، وقصد القربة لا يتمشّى في مورد المبعّد عن المولى المبغوض له كالمكان المغصوب، ما يعني أنّه مع القول بإمكان اجتماع الأمر بالصّلاة والنّهي عن الغصب في مركّب اتّحاديّ إلّا أنّه لكون دليل الصّلاة مقيّدًا بواسطة متمّم الجعل بوقوعها بقصد القربة، تقع نتيجة التّقييد بعدم القبح الفاعليّ، فيقيّد الأمر بالصّلاة بالكون في المكان المباح.
لكن يتأتّى هذا البيان في مورد العباديّات _كما هو واضح_ دون التّوصّليّات، إذ يجوز دفن الميّت مثلًا ولو في الحصّة المغصوبة من الأرض ويكون المكلّف ممتثلًا لأمره من باب إطلاق دليله وجواز الاجتماع بحيث لا يوجب في مورده القبح الفاعليّ تقييدًا أو نتيجة التّقييد.
إذن، الأمر بالصلاة مضيّق لا يشمل حال وجود قبح فاعليّ من حيث الغصب، والقبح الفاعليّ هنا لكون الفاعل قد اختار الجمع بين الصّلاة والغصب مطبّقًا إيّاها على خصوص هذه الحصّة المبغوضة، مع كون نفس الغصب ذا قبح فعليّ.
وأمّا الحيثيّة الثّانية، فهل يمكن للشّارع أن يتوجّه بخطاب خاصّ للمتجرّي؟ كأن يقول لا تشرب ما قطعت بخمريّته من الماء؟
يرى المحقّق النّائينيّ عدم إمكان هكذا جعل على هذا النّحو من العناوين:
أوّلًا: لأنّ شرط صحّة الخطاب هو إمكان الدّاعويّة من قبله، أي إنّ الخطاب يكون معقولًا وصحيحًا حيث كانت داعويّته معقولة، وهذه الدّاعويّة تحصل حيث كان الموضوع باقيًا على تقدير وصول الخطاب، وهذا غير متوفّر هنا. إذ بمجرّد أن يتوجّه الشّارع إلى القاطع غير المصيب بخطاب مثل "أيّها الجاهل بالجهل المركّب افعل كيت وكيت" يزول جهله المركّب، والحال أنّه يريد أن يحرّكه من حيث جهله المركّب.
إذن، لا يمكن أن يكون الخطاب محرّكًا للعبد إلّا حيث كانت محرّكيّته منحفظة على تقدير وصوله إليه، والحال أنّ هكذا خطاب لا يمكن أن يكون محرّكًا على تقدير الوصول والعلم بالكبرى والصّغرى، إذ يزول الموضوع بالخطاب.
ثانيًا: لا موجب لتوجيه خطاب خاصّ على هذا النّحو من التّقييد بعد أن كان القبح الفاعليّ والبُعد عن المولى مشتركًا بين العاصي والمتجرّي بل هو في مورد العصيان أقبح وأشنع.
ويشكل عليه من جهة أخرى بلغويّة هذا الخطاب من جهتين:
- من جهة وجود خطاب آخر بالحرمة متعلّقًا بالعنوان الأوّليّ، أي لغويّة الخطاب المتعلّق بمعلوم الخمريّة حال عدم الإصابة مثلًا مع وجود خطاب متعلّق بالخمر الواقعيّ؛ والحال أنّ القاطع يرى نفسه مصيبًا دائمًا، فيكون المحرّك هو الخطاب الأوّليّ لا الجائي على عنوان القطع.
- ومن جهة أنّه لا يراه متوجّهًا إليه، فلا يتحرّك عن مخاطبته بعنوان القاطع غير المصيب في أيّ مورد من الموارد، لكونه يرى قطعه مصيبًا دائمًا؛ ما يعني أنّ الخطاب بالنّسبة له ليس جادًّا بالتّوجّه إليه.
فإن قلت: فليكن الخطاب عامًّا شاملًا القاطع المصيب وغير المصيب، كأن يقول المولى "أيّها القاطع بالخمريّة اجتنبه سواء كان قطعك مصيبًا أو غير مصيب"؛ فهكذا خطاب لا يرد عليه ما ورد من إشكال على الخطاب الخاصّ بالجاهل بالجهل المركّب.
قلت: هذا لا يصحّ أيضًا:
- وليس ذلك لما ذكره الشّيخ الآخوند من عدم الالتفات إلى القطع من حيث إنّه طريق وآلة، وليس الطّريق ملتفتًا إليه غالبًا، لأنّنا ذكرنا أنّ جهة القطع بالشّيء من أتمّ جهات الالتفات. ولو ثبت عدم الالتفات على ما ذكره المحقّق الآخوند لامتنع أخذ العلم في موضوع الحكم غالبًا، فكما لا يمكن أخذ القطع في الموضوع في مورد التّجرّي كذا لا يمكن أخذه في موضوع أيّ حكم آخر، والحال أنّه لا ينكر أحد إمكان أخذ القطع في الموضوع.
- وليس لأجل انتفاء ملاك الحكم في المتعلّق حيث كان القطع غير مصيب، ليقال بأنّ الماء مثلًا لا مفسدة فيه ولو تخيّله القاطع خمرًا، وبالتّالي يمتنع عموم الخطاب له مع عدم وجود مفسدة من جهة المتعلّق؛ لأنّ الملاك كما يمكن أن يكون في المتعلّقات كذا يمكن أن يكون في نفس الجعل، ويمكن أن يكون هذا من مواردها.
- بل لأجل أنّه يلزم اجتماع المثلين في نظر القاطع دائمًا، لأنّ القاطع يرى قطعه مصيبًا دائمًا، فيرى أنّه قد توجّه إليه خطاب حرمة الخمر الواقعيّ مثلًا وكذا خطاب معلوم الخمريّة، وإن كانت النّسبة بينهما في الواقع هي العموم والخصوص من وجه.
ولا يقال بأنّ الأحكام من الأمور الاعتباريّة الّتي لا يتأتّى في موردها هكذا محذور، لأنّ المراد لغويّة التّحريك بمحرّكيّتين بخطابين يؤدّي أيّ واحد منهما الغرض من دون الحاجة إلى الآخر.
ولا يصحّ حمل أحدهما على التّأكيد، لأنّه إنّما يتمّ التّأكيد في مورد خطابين يمكن لكلّ واحد منهما أن يستقلّ في المحرّكيّة والباعثيّة، مثل أكرم العالم وأكرم الهاشميّ، حيث يجتمعان ويفترقان فتتحقّق لكلّ واحد منهما داعويّة مستقلّة. والحال أنّه في المقام مع فرض وجود خطاب للخمر بعنوانه الأوّليّ وخطاب آخر لمعلوم الخمريّة، فمتى تحقّق للمكلّف العلم بالخمريّة علم بوجوب الاجتناب من جهة الخطاب المترتّب على الخمر الواقعيّ طالما أنّه يرى نفسه مصيبًا للواقع، فيكون هو المحرّك ويبقى الخطاب الآخر لغويًّا.

