التجري
قبل أن نتابع البحث في الثّمرة، نحتاج إلى بيان تكملة ترجع إلى كلام صاحب الفصول المرتبط بانطباق التّجرّي على حرام واقعيّ من جهة أخرى غير الجهة المتجرّى عليها.
وقد ذهب المحقّق النّائينيّ في توجيهه لهذا الكلام إلى القول بكونه من قبيل العلم الإجماليّ بجنس التّكليف، فتتحقّق المعصية ويستحقّ المكلّف أقلّ العقوبتين، والظّاهر قبوله بهذه النّتيجة.
كما لو أقدم المكلّف متجرّيًا على شرب الخمر وتبيّن أنّه ماء ولكنّه حرام من حيث إنّه غصب، فلو كانت عقوبة الغصب أقلّ من عقوبة الخمر، عوقب عليه لا على شرب الخمر، والعكس بالعكس.
لكن يمكن أن يقال بالتّفصيل في المقام بين صورتين:
- صورة ما لو احتمل المكلّف انطباق عنوان حرام آخر غير الجهة المقطوع بها المتجرّى من جهتها؛
- وصورة ما لو لم يحتمل ذلك.
فعلى الصّورة الثّانية حيث لم يحتمل وجود حرام آخر، فاستحقاق العقاب غير معقول لأنّه عاجز وتكليف العاجز محال، فهو غير مكلّف بتلك الحرمة رأسًا. في حين أنّه على الصّورة الأولى يستحقّ العقاب لعدم كونه معذورًا في ارتكاب الفعل الّذي يحتمل انطباق عنوان حرام آخر عليه ويكون عاصيًا.
ولكن يبقى هنا مجال للقول بأنّه إذا قبلنا قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ المعصية تتعدّد بتعدّد العناوين، وبالتّالي من قطع بتكليفه وكان قطعه مخالفًا للواقع، فالواقع المزعوم منجّز عليه بحسب زعمه، فيما تبقى الجهة الواقعيّة سواء كانت محتملة أم لا، غير واصلة، فهي غير منجّزة عليه، ويكون معذورًا في ارتكابها.
وهذا البيان يختلف عن العلم بجنس التّكليف في العلم الإجماليّ، ففي مورد الأخير يتعلّق العلم بالواقع، ويتنجّز على العالم شخص التّكليف، غاية الأمر هو مردّد في انطباقه على الأطراف. أمّا في محلّ البحث لا يوجد علم ولا ما تعلّق به العلم.
وعليه، فالجهة الواقعيّة للفعل إمّا غير موجودة رأسًا، حيث لا يحتمل المكلّف وجود حرام واقعيّ أصلًا، وإمّا غير منجّزة حيث إنّه يحتملها المكلّف لا أكثر، فلا معصية هنا بل تجرٍّ فقط؛ وهذا يعني أنّ الحقّ فيما ذهب إليه المحقّق العراقيّ من أنّه لا يوجد معصية في المقام.
وفي آخر تعليقته ذكر المحقّق العراقيّ مثالًا لتحقّق المعصية في موارد التّجرّي هو الأولى بنظره: وهو ما لو كان للشّخص قد علم بكون هذا المائع إمّا خمرًا وإمّا غصبًا، وقد أتى به برجاء كونه خمرًا فكان في الواقع غصبًا.
وقد ذهب شيخنا الأستاذ إلى أنّه على المثال المفروض من قبل المحقّق العراقيّ يكون العلم الإجماليّ منجّزًا، وقد تنجّزت على المكلّف حرمة الغصب، فتثبت له عقوبة الغصب سواء كانت أقلّ أو أكثر؛ فهو يعلم أنّ المأتيّ به إمّا خمر وإمّا غصب، فقد تنجّز شخص الخطاب الواقعيّ لا جنس الحرمة؛ بل لا يبعد القول بترتّب العقوبة الأغلظ بين عقوبة التّجرّي وعقوبة الجهة الواقعيّة.
نعاود متابعة الكلام في ثمرة البحث:
مفاد الثّمرة الّتي طرحها المحقّق العراقيّ هو أنّه إذا كان التّجرّي حرامًا، وقد صادف كون المتجرّى به عبادة، فتكون باطلة، في حين أنّه إن لم نقل بحرمة التّجرّي فالعبادة صحيحة.
فمن اعتقد كون المكان مغصوبًا ثمّ أتى بالعبادة فيه، وتبيّن كونه مباحًا في الواقع، فعلى القول بحرمة التّجرّي تكون العبادة باطلة وإلّا فهي صحيحة؛ وهذا على خلافه في التّوصّليّات بحيث يُحكم بالصّحّة بلا تفصيل.
وقد أجاب السّيّد الصّدر عن هذه الثّمرة بالقول بعدم تماميّتها لكون العبادة باطلة على الحالين أي سواء كان التّجرّي حرامًا أم لا، لأنّ العبادة مشروطة بقصد القربة، ومعناه أن يكون حال المولى أفضل مع الاتيان بالعمل من حاله على فرض عدم الاتيان به. وهنا، حتّى لو لم يكن التّجرّي قبيحًا، لكن مع اعتقاد المكلّف بقبح المتجرّى به، لا يكون حال المولى أفضل بالاتيان به، وهذا يعني أنّه لا يتمشّى منه قصد القربة، وبالتّالي يكون العمل باطلًا.
لكن أجاب شيخنا الأستاذ عن هذا الإشكال بأنّ جوابه كان قد مرّ في بحث اجتماع الأمر والنّهي من أنّه إذا كان المجمع متعلّقًا للأمر والنّهي فلا يمكن القول ببطلان العمل معلّلًا بعدم تمشّي قصد القربة، وذلك لأنّه مع كون المجمع متعلّقًا للأمر، فحال المولى حتمًا يكون أفضل باتيان الفعل لكن من حيثيّة المأمور به أي هو أفضل من حيث إنّ له أمرًا، ويمكن للمكلّف أن يأتي بقصد القربة من تلك الحيثيّة. فإذا جمع المكلّف بسوء اختياره وكان لعمله أمر، تمشّى منه قصد القربة وصار حال المولى أفضل من فرض ترك العمل من تلك الحيثيّة المأمور بها.
وقد ذكرنا في محلّه عدم تماميّة ما ذهب إليه السّيّد البروجرديّ أيضًا من أنّ العمل الحرام مبعّد ولا يمكن أن يكون مقرّبًا أيضًا، وذلك لأنّ العمل يكون مبعّدًا من جهة المبعّديّة ومن تلك الجهة لا يمكن أن يكون مقرّبًا، لكنّه يمكن أن يكون مقرّبًا من الجهة الأخرى وأن يقصد قصد القربة منها.
وقد ذهب السّيّد الصّدر هنا إلى وجود شرط زائد في صحّة العبادة في بناء العقلاء وهو أن لا يكون الفعل حرامًا، وقد ذكرنا أنّ هذا مجرّد ادّعاء، ونحن لا ندرك مثل هذا الشّرط العقلائيّ، وفي فرض الشّكّ فيه يكون الإطلاق نافيًا لشرطيّته.
وبالنّتيجة، الثّمرة الّتي طرحها المحقّق العراقيّ تامّة من حيث إنّ حرمة التّجرّي توجب كون المسألة من مصاديق اجتماع الأمر والنّهي، لكنّها غير تامّة من جهة القول ببطلان العبادة على فرض حرمة التّجرّي بناء على الجواز، فإنّ العمل يكون صحيحًا حتّى لو كان التّجرّي قبيحًا وحرامًا.
نعم، الإشكال الّذي يرد على المحقّق العراقيّ هو من جهة أنّ المشهور قد قال بتحقّق صغرى مسألة اجتماع الأمر والنّهي حيث كانت النّسبة بين متعلّق الأمر ومتعلّق النّهي هو العموم والخصوص من وجه، ولذا عدّوا موارد النّهي عن العبادة خارجة عنها لكون النّسبة هي العموم والخصوص المطلق.
والنّسبة في المقام في العموم والخصوص المطلق لكون عنوان التّجرّي كعنوان المقدّمة أو الشّرط أو النّذر، أي لا يكون العنوان حيثيّة تقييديّة بل تعليليّة، فليس عنوان التّجرّي حرامًا كما أنّه ليس عنوان المقدّمة واجبًا، بل واقع المقدّمة وما هو مقدّمة بالحمل الشّائع واجب، وهنا الأمر كذلك، أي ما هو قبيح هو واقع التّجرّي لا عنوان التّجرّي لتكون النّسبة بينه وبين الواجب كالصّلاة هي نسبة العموم والخصوص من وجه، بل النّسبة بين واقع التّجرّي وبين الواجب هي نسبة العموم والخصوص المطلق.
وبالتّالي، إذا اختصّت مسألة الاجتماع بموارد كون النّسبة بين متعلّق الأمر ومتعلّق النّهي هو العموم والخصوص من وجه، فهذا المورد ليس منها، وإن كان يمكن أن يكون صغرى لبحث النّهي عن العبادة.
لكن إذا ذهبنا إلى عمومه لموارد كون النّسبة هي العموم والخصوص المطلق، يكون المورد منها، وهو ما ذهب إليه شيخنا الأستاذ؛ فتتمّ هذه الثّمرة من هذه الجهة.
ولا بدّ من الإلفات في نهاية البحث إلى أنّه قد أشير في بعض حواشي الرّسائل تعليقًا على مصادفة التّجرّي مع الحرام إلى كلام صاحب الفصول في بحث مقدّمة الواجب، والحال أنّ ذاك بحث آخر.
فهناك ذكر صاحب الفصول أنّ المتجرّي باتيانه المقدّمة الحرام يستحقّ العقوبة، وأنّه إذا صادف الواقع يستحقّ عقوبة واحدة، ومن الواضح أنّهغير مرتبط بما نحن فيه.
فهناك الكلام عن أنّه إذا قصد المكلّف المعصية وأتى بمقدّماتها لكن لم يرتكبها يكون متجرّيًا ومستحقًّا للعقوبة. وإذا أتى بالمعصية فقد عصى ويستحقّ العقوبة على المعصية، أي يستحقّ عقوبة واحدة، لعدم كون مقدّمة الحرام حرامًا ولا استحقاق آخر للعقوبة عليها.
أمّا ما ذكره هنا، فهو ما لو تجرّى المكلّف بالاتيان بما هو حرام واقعًا، بمعنى أنّه قطع بشيء وكان قطعه على خلاف الواقع، لكن كان العمل المتجرّى به حرامًا من جهة أخرى غير المقطوع بها.

