أخذ العلم بالحکم في الموضوع
كان الكلام في أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه، والمعروف امتناعه عند الأصوليّين، ومحذوره الأساس عندهم هو الدّور، وهو ما انعكس في كلام المحقّق الآخوند. ومعنى أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه كون العلم بالحكم مقوّمًا لموضوع الحكم ومحقّقًا له، وبالتّالي كونه دخيلًا في توليد الحكم وترتيبه بحيث يتوقّف وجود الحكم على العلم به.
وكما لا يخفى حيث يتوقّف وجود الحكم على العلم بوجوده، مع كون العلم متوقّفًا على وجود الحكم، فقد توقّف وجود الحكم على وجود الحكم أي توقّف الشّيء على نفسه، وهو محال لكونه دورًا.
أشكل المحقّق الأصفهانيّ على دعوى المحقّق الآخوند باستلزام أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه للدّور، وذلك لأنّه لا بد من التّدقيق في العلم بالحكم الّذي يتوقّف عليه ثبوت الحكم والّذي يكون دخيلًا في الموضوع:
فهل هو العلم بالمتعلّق أم العلم بالمعلوم بالذّات بما هو صورة ذهنيّة حاكية عن الخارج؟ أم العلم بالمعلوم بالعرض؟
أمّا أنّ المأخوذ في الموضوع هو العلم بما تعلّق به الحكم وأضيف إليه في موضوع الحكم: فمتعلّق العلم هي ماهيّة الحكم، أي إنّه لا يتعلّق العلم بالحكم الموجود في الواقع المعلوم بالعرض بل بالماهيّة المتقرّرة بغضّ النّظر عن عروض الوجود سواء الذّهنيّ أو الخارجيّ عليها، لكون الماهيّة غير منوطة بالوجود، فالعلم بحرمة الخمر هو العلم بماهيّة الحرمة المجعولة من قبل الشّارع غير الموقوفة على وجود الحكم الفعليّ وثبوته في الواقع.
وبالتّالي، ليس أخذ العلم بماهيّة الحكم بموقوف على وجود الحكم وثبوته.
ولا يمكن القول بأنّ العلم بالحكم يعني العلم بوجود الحكم، إذ المناسب لأن يضاف إليه العلم هي الصّورة الذّهنيّة لا الوجود الخارجيّ، لكن لا الصّورة الذّهنيّة بما هي ذات مطابق في الخارج بل بما هي حاصلة في الذّهن بمعنى الماهيّة ولا بما هي حاصلة في الذّهن أي موجودة؛ أي ليس متعلّق العلم الوجود الخارجيّ ولا الوجود الذّهنيّ بل ذات الماهيّة.
إذن، هنا ثلاثة أمور: الوجود الخارجيّ للحكم، الصّورة الذّهنيّة للحكم، وماهيّة الحكم؛ والعلم لا يتعلّق بالوجود الخارجيّ لاستحالة تعلّق العلوم بالمعلومات بالعرض وإلّا لصارت المعلومات بالعرض معلومات بالذّات بل الوجود الخارجيّ مصداق من مصاديق ماهيّة الحكم، كما أنّه لا يتعلّق بالصّورة الذّهنيّة المنحفظة حتّى في مورد الجهل المركّب بما هي كيف نفسانيّ قائم في النّفس مع كون العلم متقوّمًا بها، بل يتعلّق العلم بماهيّة الحكم، وهو معنى قولهم بأنّ لوح الواقع أوسع من لوح الوجود.
بتعبير آخر: العلم تعلّق بالحكم، لكن لا بالوجود الخارجيّ للحكم، ولا بالصّورة الذّهنيّة للحكم، بل بالماهيّة الّتي تحكي عنها الصّورة الذّهنيّة؛ فليست الصّورة الذّهنيّة هي المعلوم بل هي الحاضرة في النّفس. ولذا معنى أنّه قد حصل علم بالحكم أي أنّه قد حصل علم بماهيّة الحكم، وهي غير الصّورة الذّهنيّة.
ومن هنا تعلم أنّ المحقّق الأصفهانيّ قد ميّز بين كون متعلّق العلم هو الوجود وبين كونه الماهيّة، معربًا عن عدم كونه الوجود بل هو الماهيّة، وإذا كان المتعلّق هي الماهيّة فلا يرد محذور الدّور المصّور من أنّ وجود الحكم يتوقّف على العلم بوجوده، فلا دور ولا امتناع من هذه الجهة.
وبتعبير آخر: إذا كان أخذ العلم بالحكم في موضوع الحكم باعتبار تعلّق العلم بالماهيّة، فالموقوف غير الموقوف عليه، فلا دور.
وأمّا أنّ المأخوذ في الموضوع هو العلم بالمعلوم بالذّات الّذي له مطابق في الأعيان، فهو غير سديد كما تقدّم لوضوح عدم كون المأخوذ في الموضوع هو العلم بالصّورة الذّهنيّة الحاكية عن الخارج.
وهذه عبارة المحقّق الأصفهانيّ:
"والتّحقيق أنّ العلم الموقوف عليه شخص الحكم:
- إذا لوحظ بالإضافة إلى متعلّقة المتقوّم به العلم في مرتبة وجوده في النفس، فمتعلّقه ماهية الحكم دون وجوده، لاستحالة تقوّم العلم بأمر خارج عن أفق النفس، و ليس العلم إلا وجود الماهية في النفس، إذ الوجود لا يقبل وجودًا آخر، لا من سنخه، و لا من غير سنخه.
ومن الواضح أن العلم وإن كان متوقفا على المعلوم بالذات ومتأخرا عنه، لكنه لا توقف لماهيّة الحكم عليه، بل لوجوده فلا دور، لعدم التوقف من الطرفين.
مضافا إلى عدم التعدد في الوجود المبني عليه الدور المصطلح عليه.
-وإذا لوحظ العلم بالإضافة إلى المعلوم بالعرض وهو المطابق للمعلوم بالذات أي الحكم بوجوده الحقيقي، و الحكم و إن كان متوقفا بالفرض على العلم توقف المشروط على شرطه، إلا أن شرطه وهو حقيقة العلم كما عرفت لا يتوقف على وجود الحكم بل على ماهيّته.
ومنه تعرف أنه كما لا دور كذلك لا خلف ولا اجتماع المتنافيين من حيث التقدم والتأخر الطبعيين، فإن العلم له التأخر الطبعي عن ذات متعلقه تأخر العارض عن معروضه ولا تأخر لمعروضه عنه، و حقيقة الحكم لها التأخر الطبعي عن حقيقة العلم تأخر المشروط عن شرطه، لكنه لا تأخر للعلم عن حقيقة الحكم، بل عن ماهيّة المقوّمة له في أفق النفس، فلم يلزم خلف و لا اجتماع المتنافيين".

