التجري
جعل المحقّق الآخوند الاختيار مناطًا لاستحقاق العقاب بحيث يقبح العقاب بلا اختيار؛ وهذا الاستحقاق إمّا للاختيار نفسه من حيث القصد والعزم وإمّا لعنوان البُعد عن المولى المنطبق على الفعل الاختياريّ سواء كان في مورد المعصية أو التّجرّي، وهكذا الحال من جهة استحقاق المثوبة حيث يدور مدار الاختيار أيضًا. وهذا المعنى يوافق كثيرًا من النّصوص الشّرعيّة من الكتاب والسّنّة حيث تبني على مفروعيّة اختيار العباد، ومنها صحيحة البزنطيّ الّتي ذكرناها في الدّرس السّابق.
لكن مع ذلك، لا بدّ من الالتفات إلى مسألة في غاية الدّقّة، وهي أنّه لو فرضنا وجود آية أو رواية على خلاف ما يقتضيه الوجدان والبرهان فهي غير قابلة للأخذ بها قولًا واحدًا، إمّا بتأويل دلالة قطعيّ الصّدور وإمّا بطرح ما كان ظنيّ الصّدور.
إذ لا يمكن التّسليم بشيء من النّصوص الشّرعيّة وهو على خلاف العقل، لأنّ المفروض أنّ الشّارع ممنوع في حقّه الحكم على خلاف العقل لمقتضيات العصمة والحكمة، إذ إنّ حجّيّة الشّرع مبتنية على العقل، فلا أساس للشّرع حيث لا أساس للعقل، ولذلك قالوا قديمًا وحقًّا قالوا إنّ التّعبّد يتأتّى في الموارد الّتي لا تكون على خلاف الوجدان والعلم دون سواها.
لأنّ الوجدان حقّ دائمًا، وهذه قاعدة وأصل، وما يقع على خلافه إمّا سفسطة وإمّا مغالطة وإمّا شبهة، إذ هو أعظم الحجّة والبرهان؛ بل إنّ كلّ برهان يرجع في نهاية المطاف إلى العلم والوجدان ولا يوجد برهان يقاوم الوجدان.
وهذا يعني تحصّل يقين ببطلان ما وقع على خلاف الوجدان ولو لم تتحصّل تفاصيل مخالفته، ومن هنا كان معنى الشّبهة راجعًا إلى حصول غلط لدى الذّهن يحتاج إلى معالجة قادرة على هدم صورة القياس الّذي سيق لإنتاجها من خلال إدراك لِمّ النّتيجة المغلوطة المقدّمة.
وبالالتفات إلى ما ذكره المحقّق الآخوند في هذا المقام ترى موافقته للوجدان من جهة وللنّصوص الشّرعيّة من جهة أخرى، بحيث لا يبقى مجال للقبول بما استفاده الأشاعرة ممّا هو على خلاف الوجدان والنّصّ.
ومن هنا ظهر لك أنّ ما تمسّكوا به من نصوص يحتاج إلى تقويم من حيثيّة الصّدور (كما في مورد نصوصيّة الدّلالة) ومن حيثيّة الدّلالة (كما في مورد قطعيّة الصّدور) ومن حيثيّة جهة الصّدور؛ فحتّى لو كانت الرّواية المخالفة للوجدان والعقل قطعيّة الصّدور وقطعيّة الدّلالة إلّا أنّه لا يمكن التّمسّك بكونها صادرة عن جدّ من حيث البناء على عصمة الإمام عليه السّلام؛ هذا وقد يسري التّرديد إلى الدّلالة، فلا بدّ من تأويلها وقد يسري إلى أصل الصّدور.
وقد وقع الكلام في النّصوص والرّوايات الواردة في بيان أمور طبّيّة والمخالفة للمتعارف من نظريّات طبّيّة؛ مع الالتفات إلى أنّ مخالفة النّظريّات ليست مخالفة للوجدان، إذ كثير منها ظنّيّ، فلا تصل النّوبة إلى رفع اليد عن الرّواية.
منها ما جاء في الفرق بين ديّة الخصيّة اليسرى عن اليمنى مبرّرًا بأنّه منها الولد، فهي مخالفة لما تبانوا عليه اليوم في الطّبّ من عدم الفرق بينهما، لكن غاية ما عندهم هو عدم ثبوت الفرق لا ثبوت عدم الفرق.
ومنها ما جاء في قوله تعالى {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} حيث فسّر الصّلب بالظّهر والتّرائب بأضلاع الصّدر، فوقعت الحيرة أن كيف يخرج الماء الدّافق من بين الظّهر والصّدر وهو معنى يرى علم الطّبّ اليوم خلافه؛ لكنّ الصّحيح أنّ الكلام ليس عن مخرج الماء بل عن مخرج الإنسان عند المرأة؛ فكثيرًا ما يقع الخطأ أيضًا في الاستظهار من النّصّ وهذا يحتاج إلى دقّة أيضًا من أهله.
لا يقال: إنّ الكلّ يدّعي الوجدان وهو بلا ضابطة؛ لأنّنا نقول إنّ الوجدان هو القطع البديهيّ الّذي لا يحتاج في حصوله إلى مقدّمات نظريّة بل وإن احتاج إليها كانت مطويّة لم يحتج العقل إلى تفصيلها ليتحصّل له القطع وكانت من قبيل ما قياساته معه، بحيث يتحصّل الوجدان لدى أدنى مرتبة من العقل عند الإنسان، وهي بلا شكّ تنتهي إلى علم حضوريّ كما الحال في جميع العلوم.
وتخرج عن الوجدان الأمور الموهومة والمتخيّلة الّتي لا تقاوم أدنى دقّة ونظر ورويّة، كالقول بكون العدالة بين الرّجل والمرأة راجعة إلى المساواة بينهما، وكالقول بممنوعيّة القسوة والخشونة في إحقاق الحقّ. ولو دقّقنا لوجدنا أنّ الوجدان الّذي نستشهد به ونرجع إليه هو الوجدان العقليّ لا الوجدان العاطفيّ، وإلّا فما أكثر ما لا يتقبّله النّاس بعواطفهم ولكنّه لا يقع على خلاف الوجدان العقليّ وإن خالف وجدانهم العاطفيّ.
ومن هذا القبيل، الفرق في الدّيّات بين المرأة والرّجل، حيث يُدّعى كون المساواة فيها مقتضى الوجدان، والحقّ أنّ أصل الدّيّة لا تثبت بالوجدان ولا قيمتها، وغاية أمرها أن تثبت لدى العقلاء بالاتّفاق والتّواطؤ، وأن تعيّن مراتبها عندهم حسب نظرهم وما بلغته عقولهم؛ وقد تدخّل الشّارع هنا وجعل الحكم بالدّيّة شرعيًّا وحكم بمقدارها رعاية لمصالح ودرءًا لمفاسد هو أعلم بها، ولا يناقَش فيها إلّا من حيث تخيّل كون الدّيّة عوضًا في بيع وهو باطل بلا كلام!
وعلى العكس، لو جعل المولى عقاب القاتل للمرأة أكبر من عقاب القاتل للرّجل لكونه قد قتل إنسانًا ضعيفًا لا يقدر على الدّفاع عن نفسه، هل كان هكذا جعل على خلاف الوجدان والعقل؟! لا البتّة؛ وفي الفرض نفسه ومع جعله العقوبة أكبر على قتلها لم يجعل ديّة على قتله وضاعف الدّيّة على قتل الرّجل لكون الخلل الوارد بقتل الرّجل مادّيًّا فيما عمدته عند قتل المرأة خلل عاطفيّ في الأسرة، هل كان تحكّمًا على خلاف الوجدان؟! لا البتّة.
وكيف كان، كلّما حصل تنافٍ بين الوجدان وبين صورة برهان، كان الوجدان حاكمًا واحتيج إلى النّظر في البرهان لإدراك نقطة الخلل فيه. وهذا الوجدان محكّم في المقام، حيث يقضي وجدان الإنسان السّليم والصّريح بأنّه مختار، فلا يمكنه أن يلتزم بالجبر ولو جاء على صورة برهان، بل كيف يُلتزم بالجبر وهو مستلزم لظلمه سبحانه وتعالى عن ذلك حيث يعاقب المرء على أمر خارج عن دائرة اختياره أي على ما لا يتمكّن من تركه، كما أنّه يتهافت مع حكمته تعالى.
لكنّ هذا لا يعني عدم وقوع أخطاء في التّطبيق، فالمحقّق الآخوند نفسه تمسّك في بحث التّرتّب ببرهان على خلاف الوجدان، ولم يكن برهانه إلّا صورة برهان، وقد عمد الأعلام إلى معالجته ودراسته وبيان خلله قبل المحقّق الآخوند كصاحب الفصول وبعده كالمحقّق الأصفهانيّ والنّائينيّ.
وبالنّتيجة، لا بدّ من فهم الآيات والرّوايات ضمن إطار رؤية الوجدان الصّحيح لا الموهوم، وأن لا يعمد الباحث الموضوعيّ إلى إسقاط ما يرى على النّصوص الشّرعيّة كأن يكون أشعريّ الهوى.
بل نترقّى في ذلك ونقول حتّى لو كانت الرّواية قطعيّة الصّدور وقطعيّة الدّلالة ولم تصدر عن تقيّة، إلّا أنّه يبقى احتمال أن يكون بيانها بمقدار فهم الرّاوي، بحيث إذا كان ثابتًا في ارتكاز الرّاوي شيء من الجبر ففهم من الإمام عليه السّلام بيانًا على نحو خاطئ، انعكس على مستوى صياغته للرّواية خصوصًا مع الإذن في استبدال الألفاظ. فمهما بلغ الرّاوي من العظمة والقيمة إلّا أنّه لا ينتفي احتمال فهمه الخاطئ من الإمام عليه السّلام.
وبالنّتيجة، إذا وجدنا آية وهي قطعيّة الصّدور نصًّا في الجبر، كان لا بدّ من تأويلها، وإن كان هذا الفرض لا صغرى له، إذ لا نصّ في الجبر في الكتاب بل ولا ظهور في الجبر كذلك. وكذا في الرّوايات، لا صغرى لرواية معتبرة سندًا بل قطعيّة الصّدور وقطعيّة الدّلالة تدلّ على الجبر، ولكن الاحتمال الأسوأ أن لو وجدنا هكذا رواية يبقى الكلام في جهة الصّدور وأنّه لعلّ الرّاوي اشتبه في الفهم مع كونه مبسوط اليد من جهة الحكاية بألفاظ الإمام عليه السّلام أو بألفاظه الخاصّة.

